رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
فهد سليمان الشقيران
فهد سليمان الشقيران

النظام الإيراني وجه الشر المحض

السبت 18/يناير/2020 - 07:55 م
طباعة
لم يسبق للنظام الإيرانى أن واجه مثل الظرف العصيب الذى يعيشه فى تاريخه، أرهقته الضربة، وورطتْه الحماقة. ضُرِبَ بمقتل سليماني، وتورط بحماقة إطلاق الصواريخ على الطائرة الأوكرانية المدنية. فى الضربة استنفر النظام حد الاستعداد لحربٍ محتملة، أما فى مواجهة الحماقة، فإن العالم كله نظر إلى إيران بوصفها خارج سياق التاريخ.
تصريحات المسئولين من جميع أنحاء العالم، اتفقت على صفة «الرعب» لإدانة الحادثة المجنونة المتمثلة بإطلاق صواريخ على طائرة مدنية، وخاصية هذه الحماقة أن متابعيها من جميع الطبقات والفئات والمستويات والديانات. لم يعد الخلاف فى السياسة فحسب، وإنما فى قيم الشراكة الإنسانية وأسس المدنية وفضاء الحضارة أيضًا. دول غربية راهنت على إمكانية ترويض النظام الإيرانى تتساءل اليوم عن مدى «صدقية» إيران، ومستوى تطور الشر الذى تمارسه على هذه الأرض ضد بنى الإنسان.
تعرض النظام الإيرانى لامتحانات كبرى لتحديد موقعه من المنظومة العالمية، لم يؤسس النظام أى بناءٍ حيوى مع محيطه؛ أحلام إحياء الإمبراطورية، مع التصدير الثوري، منعاه من الاتصال المفيد، ورسم صيغ تعاون يمكنه معها المساهمة بالاستقرار والتنمية، أو المشاركة فى تعزيز التعايش والسلام بالمنطقة. هذا أمر يتساءل عنه هنرى كيسنجر فى مواضع من كتبه ومنها: «النظام العالمي»، فيه يعتبر أن إيران: «فرضت نفسها على المسرح العالمى بانتهاك هائل لأحد مبادئ النظام الدولى الوستفالى الجوهرية - مبدأ الحصانة - عبر الإغارة على السفارة الأمريكية فى طهران، واحتجاز العاملين فيها رهائن مدة 444 يومًا (فِعْلَة أكدتها الحكومة الإيرانية الراهنة، التى أقدمت عام 2014 على تعيين مترجم مُحتجزى الرهائن سفيرًا لها لدى الأمم المتحدة). وبروحية مشابهة، ادعى الخميني، فى 1989، امتلاك السلطة القضائية المؤهِّلة لإصدار فتوى بإعدام سلمان رشدي، مواطن بريطانى من أصل مسلم هندي، لنشره كتابًا فى بريطانيا والولايات المتحدة عُدّ معاديًا للمسلمين». هذا مع أنها من الناحية النظرية والتاريخية - يضيف -: «سبق لقادة إيران أن وصلوا إلى ما هو أبعد بكثير من حدود إيران الحديثة، ونادرًا ما كانوا قد انصاعوا لمفهومى الدولة الوستفالية والمساواة السيادية. تراث إيران التأسيسى متمثلًا بالإمبراطورية الفارسية التى تمكنت، عبر سلسلة من عمليات التجسد من القرن السابع قبل الميلاد إلى القرن السابع الميلادي، من إقامة حكمها على امتداد القسم الأكبر من الشرق الأوسط المعاصر مع أجزاء من آسيا الوسطى، جنوب غربى آسيا، وشمال أفريقيا».
إيران الثورة اعتدت على الدولة «الوستفالية»، وهجت النظام العالمي، ومرقت على القوانين الدولية؛ كل ذلك جعل النظام الأصولى أبعد ما يكون عن مفهوم الدولة، ليقترب أكثر من المنظمات الدموية، والكيانات الإجرامية. من المرعب أن يأمر القائد الأعلى للقوات المسلحة فى إيران على خامنئى باستهداف طائرة مدنية فى الجو عبر صواريخ عابثة تنتقل بين أيدى مناصريه مثل الطراطيع.. هذا أمر يدعو للسخرية، ويهدد العالم، ويجعل النظرية الغربية حول التفاوض مع إيران وإمكانياته، أمرًا فى غاية الصعوبة، إلا فى حال أعيد النظام إلى المربع الأول، أن يختار بين تأسيس دولة حديثة وبناء مؤسسات، أو الاتجاه نحو المروق والثورة والعنف، هذا ما يؤيده كيسنجر: «من حيث المبدأ يجب على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة للتوصل إلى تفاهم جيوسياسى مع إيران على المبادئ الوستفالية القائمة على عدم التدخل ولتطوير مفهوم مناسب لقيام نظام إقليمي».
منذ بداية المفاوضات مع إيران حول الاتفاق النووي، علمت السعودية أن النظام سيمارس ازدواجيته السياسية المعتادة؛ محمد جواد ظريف بلغته الدبلوماسية، وبأدوات نفوذه الغربية يعمل لرسم صورة مشرقة عن إيران، فى الوقت نفسه يقوم قاسم سليمانى بالاستئصال والتهجير، وتفجير السفارات، واستهداف آبار النفط، ودعم الميليشيات، والاجتماع مع قادة العنف الأصولي.
قصة المفاوضات ونمط الدبلوماسية الإيرانية كتب عنها المثير للجدل برواياته وتحليلاته وعجائبه أحيانًا وقصصه تريتا بارزي، فى كتابه المسلّي: «خسارة عدو - أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية»، وهو من مؤيدى مسار الدبلوماسية وفكرة التفاوض مع إيران بدلًا من حل الحرب، والمطلع على بعض الوثائق بسبب استشارة الحكومة الأمريكية له، كما يقول فى المقدمة، ومما قاله فى الكتاب: «من الخطأ النظر إلى تلك المفاوضات والصفقة التى نتجت عنها على أنها مسألة نووية فقط، جوهريًا شكّلت المفاوضات والصفقة الفصل النهائى من معركة استمرت 35 عامًا حول النظام الجيوسياسى فى المنطقة عمومًا، ودور إيران فى ذلك النظام بشكلٍ خاص». ثم يعرج على لبّ الاتفاق بالنسبة لإيران: «بعد عقودٍ توصلت الولايات المتحدة والغرب إلى فكرة الاعتراف بإيران كقوة إقليمية».
سياسة ترمب الحازمة تجاه سلوك إيران الشرير منح العالم فرصة النظر إلى النظام عاريًا من أقاويله وأكاذيبه ودروعه، ليست ابتسامات ظريف ولا مجاراته الدبلوماسية وأحاديثه للغرب عن الفنون الفارسية والخط وعلاقاتها بالأمم هى المعبرة عن مكنون النظرية السياسية للنظام، وإنما يعبر عنه بفصاحة قاسم سليمانى وحسن نصر الله وعبد الملك الحوثي، يعبر عنه «فيلق القدس» و«حزب الله» و«الحشد الشعبي»، يعبر عن النظام أكثر قتل الرؤساء والوزراء والصحفيين، صورة إيران تعثر عليها فى قتل الأطفال، وفكرة البراميل المتفجرة وقصف الطائرات.
النظام الإيرانى جرب جميع أنواع الشر الممكن للإنسان ممارستها، أحدثها وليس آخرها إسقاط الطائرة المدنية بشكلٍ مروّع وحّد الإنسانية، وهز العالم.
العتب ليس على هذا النظام المارق، فهذه طبيعته، وتجب منازلته، وإنما على دولٍ محيطة كسرت أحلامها التنموية، وباتت تفضل الارتماء بأحضان إيران، واللوذ بسياساتها، والتعويل على ميليشياتها، والطيران بأجوائها، تفضل كل ذلك على أن تنضم لمحور التنمية والاعتدال الدينى والرؤى الحالمة والتخطيط للمستقبل... هل يتعلم أولئك المجانين والمعاتيه من هذا الدرس التاريخى الخطير؟!

نقلًا عن «الشرق الأوسط»
"
هل توافق على منع مطربي المهرجانات من الغناء؟

هل توافق على منع مطربي المهرجانات من الغناء؟