الخميس 19 سبتمبر 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

تقارير وتحقيقات

أمريكا تكثف الضغوط والتهديدات العسكرية.. وإيران تواصل الردع وبناء النفوذ.. أهداف إيران.. ردع ضربات الولايات المتحدة العسكرية وشركائها وبناء قوتها لتصبح إقليمية مع الحفاظ على عدم الانحياز والاعتماد

البوابة نيوز
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news
على الرغم من الجهود المبذولة من قبل الإدارة الأمريكية الحالية وتيار المحافظين داخل الولايات المتحدة الأمريكية بغرض الضغط على الجمهورية الإسلامية فيما يتعلق ببرنامجها النووى والصاروخي، فضلًا عن نفوذها الإقليمى المتزايد فى منطقة الشرق الأوسط، إلا أنه من الواضح أن سياسة فرض القدر الأقصى من الضغوط لا تعمل فى الحالة الإيرانية.
وفى هذا السياق أشارت الكاتبة الإيرانية «مهاسا روحي» زميلة أبحاث برنامج عدم الانتشار والسياسة النووية بالمعهد الدولى للدراسات الإستراتيجية، إلى أن طهران اتبعت سياسة مضادة ردًا على السياسات الأمريكية؛ حيث قامت بمجموعة من الاستفزازات فى الملاحة البحرية بالخليج العربى واتخذت خطوات ملموسة لتقليص التزاماتها بقيود التخصيب بموجب الاتفاق النووى لعام ٢٠١٥. كما أنها فى الوقت نفسه لم تحد من قدرات برنامجها الصاروخى الأمر الذى ضاعف من اعتمادها على الفاعلين من غير الدول فى المنطقة.
واندلعت التوترات مرة أخرى فى الشرق الأوسط أواخر أغسطس الماضي، بعد أن شنت إسرائيل على ما يبدو ضربات على القوات الإيرانية ووكلائها فى لبنان، سوريا والعراق. ومع انتقال حرب الظل هذه إلى النور، يجادل المسئولون الإسرائيليون بأن هذه الهجمات تهدف إلى كبح نفوذ إيران الإقليمى المتوسع من خلال دعمها وتدريبها للجهات الفاعلة غير الحكومية وهو تهديد متزايد من منظور إسرائيل. يسلط أحدث تبادل بين إسرائيل وإيران الضوء على التحديات الأمنية التى تفرضها طهران على مصالح الولايات المتحدة وشركائها فى المنطقة، والأهم من ذلك، لماذا تحتاج الحكومة الأمريكية إلى استراتيجية جديدة ومبتكرة فى الوقت الحالى للتعامل الفعال مع إيران.
فى حين أن الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين لديهم مخاوف مشروعة حول استغلال إيران لوكلائها فى المنطقة، إلا أنهم لا يبدو أنهم يفهمون دوافعها جيدًا. ومن هنا، فقد تبنوا سياسات أثبتت أنها غير فعالة وذات نتائج عكسية؛ حيث تسعى واشنطن اليوم إلى إجبار إيران على التخلى عن الركائز الثلاث لقدراتها الرادعة: برنامجها النووي، برنامجها الصاروخى والفواعل من غير الدول التابعة لها فى المنطقة.
ولكن من وجهة نظر طهران، فإن التخلى عن كل هذه القدرات سوف يترك النظام بلا قوة حقيقية، الأمر الذى يشبه مُطالبة كوريا الشمالية بالتخلى عن أسلحتها النووية بضمانات محدودة فقط من الأطراف الأخرى، ولكن لن تتنازل أى دولة عما تعتبره وسيلة للبقاء على قيد الحياة من أجل فوائد اقتصادية بحتة.
لذا، يتمحور السؤال الرئيسى حول ماذا بعد عقود من العقوبات والضغط، هل أدى الأمر حقًا لتغيير سلوك إيران فى المنطقة؟
ترى الكاتبة أن الخطوة الأولى تتمثل فى أن تفهم واشنطن تفكير طهران الاستراتيجي، مما سيسمح لها بصياغة سياسات تحفز إيران على تقليص استخدام الوكلاء فى المنطقة بدلًا من زيادة الاعتماد عليهم. فلدى إيران ثلاثة أهداف إستراتيجية: ردع الضربات العسكرية من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبناء قوتها لتكون بمثابة قوة إقليمية مع الحفاظ على عدم الانحياز والاعتماد على الذات.
ولتحقيق هذه الأهداف، لجأت طهران إلى تكتيكات الحرب غير المتكافئة لتعويض قواتها العسكرية التقليدية المحدودة. ومع ذلك، أصبحت هذه الاستراتيجية سيف ذا حدين؛ حيث تشعر الولايات المتحدة الأمريكية وشركاؤها الإقليميون عن حق بالتهديد من خلال تكتيكات الحرب الإيرانية غير المتماثلة، والتى بدورها لا تؤدى إلا إلى زيادة التهديد العسكرى لإيران.
حيث تكشف المقارنة المباشرة للإنفاق العسكرى عن التباين الهائل بين واشنطن وطهران؛ تم استثمار ١.٥ تريليون دولار على مدى العامين الماضيين، إذا أضفنا إلى معادلة الإنفاق العسكرى للمملكة العربية السعودية والتى تجاوزت ٦٧ مليار دولار فى عام ٢٠١٨، وإسرائيل التى تقارب ميزانيتها ١٦ مليار دولار، فإن إنفاق إيران العسكرى البالغ ١٣.٢ مليار دولار خلال نفس الفترة الزمنية يصبح أقلهم. ولأن طهران تفتقر إلى الوسائل العادية للردع وإسقاط القوة، فقد طورت إستراتيجية مبتكرة بما يشمل نهج التحوط النووى للردع على المدى الطويل، وبرنامج صاروخى متطور وعدد كبير من الوكلاء للدفاع عن مصالحها فى المناطق ذات الصلة.
ولكن أجلت خطة العمل المشتركة الشاملة خيار التحوط النووي، الذى بدأ الآن فى العودة تدريجيًا فى الوقت الذى تستجيب فيه إيران للضغوط الأمريكية بالتخلى عن الحدود التى قبلتها بموجب الاتفاق. ستبقى الصواريخ عنصرًا أساسيًا فى موقف الردع الإيراني، لكن لا يمنح أى من هذه البرامج إيران من النفوذ الإقليمى الذى تسعى إليه.
توفر الجهات الفاعلة غير الحكومية لإيران فوائد رادعة بالإضافة إلى نفوذها الإقليمى من خلال تهديد المصالح الأمريكية والشركاء فى المنطقة؛ حيث يحقق الوكلاء الإيرانيون ثلاثة أهداف يتمثل أولها فى أن هذه الكيانات تعمل كرادع لأعداء طهران لأن لديها القدرة على إلحاق ضرر كبير بالقوات، القواعد، المصالح وشركاء واشنطن مما يجعل الصراع العسكرى المحتمل أكثر تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ويميل بحساباتها من حيث التكلفة والعائد نحو ضبط النفس.
ثانيًا، وسعت الفواعل من غير الدول نفوذ إيران الإقليمى من خلال السماح لها بالمشاركة فى النزاعات الإقليمية فى سوريا، لبنان واليمن وأن تصبح بمثابة لاعب إقليمى مهم لا يمكن تجاهله. ثالثًا، وربما الأهم أنها تسمح لإيران بالمشاركة فى مواجهات محدودة خارج حدودها والانخراط فى الاستفزازات دون الانخراط المباشر؛ حيث تزود الفواعل من غير الدول إيران بالقدرة على الإنكار، فضلًا عن أنها باتت بمثابة أقوى سلاح إيرانى خارج الجمهورية الإسلامية.
فكلما تعرضت إيران للتهديد والضغط، زادت من دعمها للوكلاء، الأمر الذى يعقد المسألة إلى حد كبير بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وشركائها أثناء سعيهم للرد. مع تصاعد الضغوط المالية، ستعتمد إيران بشكل متزايد على الفواعل من غير الدول وغيرها من التكتيكات العدوانية لردع التهديدات المتصاعدة ويبدو إن منطق طهران واضح فى ذلك «إذا كانت الموارد المالية للبلاد فى تراجع، فعليها أن تعمل عاجلًا وليس آجلًا ومن خلال أكثر وسائل سهولة للوصول إليها وبأقل تكلفة».
ومن هنا تقترح الكاتبة أن أكثر الآليات فاعلية يتمثل فى السماح لإيران بإعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية تدريجيًا، وخاصة سلاحها الجوي، الذى كان أحد أكثر الأسلحة تطورًا فى العالم قبل ثورة ١٩٧٩. لقد كانت إيران حريصة على تحديثه لتكون على قدم المساواة مع منافسيها الإقليميين وقد كانت تسعى للحصول على فرصة للقيام بذلك مقابل القبول بفرض قيود على برنامجها الصاروخي، مثل منعها من تطوير صواريخ بالستية عابرة للقارات والحد من نفوذها الإقليمي. ونتيجة لتعنت الولايات المتحدة الأمريكية، ستعتمد إيران بدرجة أقل على تكتيكات الحرب غير المتماثلة عن طريق زيادة نفوذها الإقليمى ولكن بطريقة تؤدى إلى زعزعة الاستقرار بشكل ملحوظ.
فى السياق ذاته، فإن استخدام إيران للفواعل من غير الدول غير متاح على المدى الطويل؛ فالدول التى يزدهر فيها وجود الوكلاء حاليًا -مثل العراق، سوريا ولبنان -لن تكون دائمًا أرضًا خصبة لوجود إيران المتزايد كما هو الحال. ولذلك، فمن شأن القدرات العسكرية التقليدية أن تضمن بشكل أفضل القوة والردع التى تسعى إيران إلى تحقيقها خاصًة إذا لم يكن عليها أن تواجه تهديدًا وشيكًا من قوة عظمى لها عيون فى جميع أنحاء إيران.
ولكن بالنسبة لواشنطن قد يبدو أن تعزيز القدرات العسكرية التقليدية لطهران هو أمر غير منصف يمثل تهديدًا أكبر لحلفاء آخرين فى المنطقة، بما فى ذلك بعض القوى الدولية. لكن المفاضلة بين القدرات التقليدية والفواعل من غير الدول هى تلك التى ينبغى على جيران إيران وخصومها أخذها بعين الاعتبار؛ حيث أدى دعم طهران للفاعلين من غير الدول إلى خلق أكبر التحديات الأمنية فى المنطقة، التى فرضها «حزب الله» فى لبنان، و«الحوثيون» فى اليمن، وعدة ميليشيات أخرى فى العراق. كما أن الطبيعة العالية التأثير والتكلفة المنخفضة لوكلاء إيران تجعلهم يهددون بشكل خاص الدول الأخرى ويزعزعون استقرار المنطقة.
وأشارت الباحثة إلى أن الأمر الأكثر تهديدًا بالنسبة لواشنطن يتمثل فى تدريب طهران لوكلائها فى المنطقة على الخبرة القتالية البحرية، الأمر الذى يخلق تهديدًا أكثر خطورة فى الخليج العربي؛ حيث يقدر الخبراء أن تكلفة الحرب مع إيران بالنسبة لواشنطن ستتجاوز إلى حد كبير تكلفة حربها مع العراق، التى من المتوقع أن يصل تأثيرها إلى أفغانستان والعراق ولبنان وسوريا واليمن إلى جانب وصول برنامجها الصاروخى إلى كل دول المنطقة، مما يعنى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران سوف تتصاعد بسرعة إلى أن تشمل المنطقة بأكملها.
فى السياق ذاته، يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تنفق تريليونات الدولارات وتواجه تكلفة بشرية مذهلة فى عدد الضحايا واللاجئين. والأهم من ذلك، من المحتمل أن ينجو فيلق الحرس الثورى الإسلامى الإيرانى وشبكته من خلال وكلائه فى المنطقة المدربين تدريبًا مهنيًا على حرب العصابات والتعامل مع أى صراع عسكرى مع الولايات المتحدة الأمريكية أو حلفائها.
ومع اتباع الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية الانسحاب التدريجى من المنطقة والذى بدأ بسحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان، وبالتالي، مع وجود مادى أقل فى الشرق الأوسط، من الممكن لواشنطن أن تعود إلى وضعها السابق كوسيط إقليمي، مع دور أقل وضوحا. وهذا من شأنه أن يُحدث تحولا كبيرا فى الحسابات الإستراتيجية الإيرانية، مع إمالة حسابات التكلفة والعائد لصالح تقليص استخدام الفواعل من غير الدول لتعزيز مصالحها.
ففى الوقت الحالي، تكثف الولايات المتحدة الضغط والتهديدات العسكرية، والصفقة النووية آخذة فى الانهيار، ردًا على ذلك، فإن إيران منخرطة فى السعى إلى الردع وبناء النفوذ. من غير المرجح فى الوقت الحالى وضع العلاقة على مسار مختلف، لكن الأمر يستحق الاستكشاف.
قد يبدو اتفاق الحد من الأسلحة المصمم لتحويل سياسة إيران من تكتيكات الحرب غير المتماثلة إلى قدرات عسكرية تقليدية أكثر تعزيزًا بعيد المنال بالنظر إلى العقبات التى تعترض تطوير مثل هذا الاتفاق وتنفيذه والتحقق منه، الأمر الذى يتطلب التزامًا طويل الأجل من جميع الأطراف المعنية. على الرغم من أن مثل هذه الصفقة قد تكون صعبة، إلا أنه من الأفضل السعى إلى تحقيقها، بديلًا عن الاستمرار فى حالة التصعيد الحالى أو اندلاع الحرب.