رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
اغلاق | Close
سهام العقاد
سهام العقاد

في حب "إيطاليا" الساحرة الحزينة

الجمعة 10/أبريل/2020 - 03:18 م
طباعة
لم يكن الشاعر والباحث الإيطالى العظيم «فرانشيسكو بتراركا» يدرك أن أناس المستقبل سوف يمرون بذات المأساة التى عاشها قبل ستة قرون، عندما قال«المنازل خاوية، والمدن مهجورة، والبلد مُهمَل. الحقول ضيقة جدًّا على الموتى، وعزلة مخيفة وكلية شملت الأرض كلها، ما أسعد أناس المستقبل الذين لم يشهدوا هذه المأساويات، بل وربما يدرجون شهادتنا مع الأساطير». 
هكذا وصف شاعر العصور الوسطى الكبير هجمات "الطاعون" أو ما وصف بالموت الأسود، الذى اجتاح إيطاليا خلال القرن الرابع عشر، وتسبب فى قتل ما لا يقل عن ثلث سكان القارة الأوروبية، كما قتل الملايين فى أسيا والشرق الأدنى أيضا.
وكان الشاعر "بترارك" صاحب أفكار ومواقف جديدة فى الأدب الإيطالى، وساعد على تأسيس النزعة الإنسانية وهى حركة سعت إلى إحياء الثقافات الكلاسيكيّة وتأكيد أهمية الفرد، وكتب بترارك معظم مؤلفاته باللاتينية، وفى كتابه "الأغانى" تحدث عن حبه لامرأة بلغة جميلة أصبحت نموذجًا يُحتذى لعدّة قرون.
ولم يكن يتخيل الشاعر العاشق "بترارك" أن بلاده اليوم حزينة وتمر بكارثة جديدة، وإنها تعرضت مجددا لوباء آخر يدعى "كورونا المستجد"، ولم يعرف إنها غاضبة من الجيران الذين لم يمدوا لها يد العون، وتركوها وحيدة تستنشق رائحة الموت من كل حدب وصوب، وهى تفقد أحبتها يومًا بعد يوم بلا وداع، لم يعرف أن بلادة تبكى الآن فى صمت، وتواجه لحظات مرة وقاسية، ولم يتصور أن الحلفاء تركوا بلاده وهى التى علمتهم الفن والحضارة والعلوم.
وربما لم يعرف "بترارك" أن بلادة أفادت البشرية جمعاء، لاسيما إنها قدمت العديد من العلماء والمخترعين على مستوى العالم.
فقد إخترع العالم الإيطالى "أنطونيو ميوتشى" الهاتف وهو ما أعترف به رسميًا مجلس النواب الأمريكى عام ٢٠٠٢ بان "ميوتشى" هو المخترع الحقيقى للهاتف، وأن الأمريكى "جرهام بل" هو الذى قام بإختراع الهاتف بناء على فكرة الإخترع الرئيسية الخاصة بميوتشى، كذلك إخترع البيانو الإيطالى "كريستو فورى"، واخترع المذياع الإيطالى "جوجليمو ماركونى"، وإخترع المقراب- التلسكوب العبقرى الإيطالى "جاليليو"، كما إخترع المفاعل النووى الإيطالى "إنريكو فيرمى"، وإخترع البطارية الكهربائية الإيطالى "أليساندرو فولتا".
كذلك لم يعرف "بتراركا" أن بلاده سوف تكون واحدة من أهم الدول الأوروبية المستنيرة، وسوف تتميز بثقافتها وفنونها المتنوعة، فى المسرح والأدب والرسم والموسيقى، إلى جانب تميزها الخاص فى فن الأوبرا، ولم يعلم أيضًا أن بلاده سوف تعلم العالم فن الطهى الإيطالى وأن لها أطباقها المميزة كالبيتزا والمكرونة.
ويُعرف عصر النهضة الإيطالى عن طريق إنجازاته الثقافية التى لا تعد ولا تحصى، ويعرف أيضًا بإبداعاته الفنية المتنوعة، وفيها أيضًا أعمال عملاقة من الفن المعمارى، مثل كنيسة القديسة ماريا ديل فيورى الرائعة فى فلورنسا، وكنيسة القديس بيدرو العريقة فى روما وغيرها من المعالم السياحية الجذابة.
وحظت إيطاليا كذلك بكوكبة من كبار الشعراء والمؤلفين والفلاسفة الذين ألهموا العالم فى كل الحقب والعصور، فقد بدأ الإزدهار والتألق الإيطالى -حسب الموسوعة- فى بدايات عصر النهضة وهى فترة شهدت التغيير الثقافى الكبير فى أوروبا، والتى إمتدت من نهاية القرن الثالث عشر حتى عام 1600، مشكّلة بذلك مرحلة إنتقالية بين أوروبا القرون الوسطى وبدايات الحداثة.
والنهضة لدى الإيطاليين تعنى "إعادة الولادة"، وهو عصر إشتهر فيه تجدد الإهتمام بثقافة العصور الكلاسيكية القديمة بعد الفترة التى وصفها الإنسانيون بالعصور المظلمة، وعلى الرغم من حجم هذه التغييرات الكبيرة التى حدثت فى المجتمع، إلا إنها إنحصرت فى النخبة، بينما الغالبية العظمى من السكان إستمرت الحياة على ما هى عليه فى ظلام العصور الوسطى. 
فيما بلغت النهضة الإيطالية ذروتها فى منتصف القرن السادس عشر، حيث إنتقلت أفكار النهضة لباقى دول أوروبا.
لعل أشهر المفكرين والفلاسفة الإيطاليين الذين ظهروا فى عصر النهضة، هو"نيكولو مكيافيللي" الشخصية الرئيسية الذى أسست مدرسة التحليل والتنظير السياسى.
فمكيافيللى صاحب العبارة الشهيرة "الغاية تبرر الوسيلة" مبررا القسوة والوحشية فى صراع الحكام على السلطة، وتكمن أهمية ماكيافيللى التاريخية فى أنه كان واحدا من أوائل من رأوا الدولة بعين إنسانية وإستنبطوا قوانينها من العقل والخبرة، ويعد "الأمير" أشهر كتبة وفيه سجل نصائح ثمينة للحاكم، وقد رأى الكثير من المفكرين أن لميكيافيللى دورا مهما فى تطور الفكر السياسى الأوروبى، نظرا لأهمية منهجه السياسى فى إتجاه تجاوز السلطة الدينيه السائدة.
وفيما يخص الإبداع الإيطالى نجد مؤسس الأدب الحديث، الشاعر والفيلسوف الإيطالى الشهير "دانتى"، صاحب المقولة الشهيرة "أحلك الأماكن فى الجحيم مخصصة لأولئك الذين يقفون على الحياد فى المسائل الأخلاقية"، وتكشف العبارة بجلاء عما يحدث اليوم من صمت مخزى من قبل معظم دول العالم الكبرى حيال مايحدث فى إيطاليا اليوم، وقد عاش "دانتى" خلال العصور الوسطى، وهو مؤلف رائعته "الكوميديا الإلهية"، وهى من أعظم الأعمال الأدبية الإيطالية على مر التاريخ، و قدم فيه رؤية مسيحية فلسفية عن مصير البشرية.
فى الإبداع كذلك تألق الشاعر والباحث والروائى وكاتب القصة القصيرة والمؤلف المسرحى الإيطالى "لويجى براندللو"، الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1934، الذى إشتهر بمسرحياته الفلسفية، وقد عكست معظم أعمال "براندللو" نظرته المتشائمة للحياة، لأنها تكشف صعوبة معرفة حقيقة الناس، لاسيما أن الحقيقة غالبا ما تكون مغايرة لما تعتقده شخوص مسرحياته الساخرة، ورواياته وقصصه، ومن أشهر أعمالة المسرحية "ست شخصيات تَبحث عن مؤلف".
أيضا الفنان الأكثر شهرة على مستوى العالم "ليوناردو دا فينشى"، صاحب لوحة "الموناليزا" وهى الأشهر على مستوى العالم، هو العبقرى الذى تجاوز عصره، حتى أصبح أشهر فنانى النهضة الإيطاليين على الإطلاق وهو أيضا فنان موسوعى، كان رساماً ونحاتاً وجيولوجياً وعالم خرائط وعالمًا بيولوجيا ومهندساً ومعمارياً بإختصار ذو مواهب متعدّدة، وكانت إكتشافاته وفنونه نتيجة شغفه الدائم للمعرفة والبحث العملى، له تأثير كبير على مدارس الفن بإيطاليا إمتد لأكثر من قرن بعد وفاته. ولازالت أبحاثه العلمية فى مجال علم التشريح، البصريات وعلم الحركة والماء حاضرة ضمن العديد من إختراعات عصرنا الحالى.
كذلك إشتهر الإيطالى تيتسيانو فيتشيليو الشهير ب"تيتيان" زعيم مدرسة البندقية فى فن الرسم حتى بات الأكثر تأثيرًا ونجاحًا في تاريخ الفن، وتميزت مهارته في إستخدام الألوان، وقد طوّر أسلوبًا أثّر بشدة فى الرسم الأوروبى، ومن لوحاته المهمة "إغتصاب أوروبا"، وأيضا لوحة "عملية الدفن" وهى مازالت موجودة بمتحف اللوفر فى باريس، وإتخذ إبنته "موديل" لعدة لوحات معروضة بمتحف درسدن وبرلين ومدريد، وقد بيعت إحدى لوحاته بأكثر من مليونى إسترلينى فى أحدِ مزادات لندن.
أيضا لم يعرف الشاعر "بتراركا" أن بلاده بها كوكبة من ألمع المخرجين السينمائيين على مستوى العالم، الذين أبدعوا فى تاريخ السينما، وقدموا للعالم أعمالًا خالدة ومحفورة فى الوجدان، من بينهم، برناردو بيرتولوتشى، باولو سورينتين، ماتيو غارونى، ومايكل أنجلو أنتونى، وغيرهم كثر، ولم يعرف أيضا أن العاصمة الإيطالية "روما" أقامت مؤخرا متحفا يعرض ويؤرخ لتاريخ السينما الإيطالية، ويستقبل المتحف زوارة بعبارة جميلة مقتبسة من فيلم "لا دولتشى فيتا" للمخرج الإسطورى فيديريكو فيلينى "الأحلام هى الحقيقة الوحيدة".
إيطاليا المعجونة بالفن والسينما والمسرح والموسقى والجمال والمرح واجهت وباء "كورونا" بالموسيقى والغناء، ويبدو أن الروح الساخرة هى عنوان للشعب الإيطالى، ولعل وصية الكاتب الإيطالى الساخر والممثل المسرحى اللامع "داريو فو" الحائز على جائزة نوبل، تكشف أيضًا عن روح ونقاء هذ الشعب العظيم، فقد أوصى قبل رحيلة أن يوضع على قبرة لافتة "مات المهرج إضحكوا".
"
هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟

هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟