رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
ads
ads

مصطفى بيومي يكتب: عباقرة الظل.. سعيد خليل المشهور المنسي

الأربعاء 13/نوفمبر/2019 - 09:10 م
البوابة نيوز
طباعة
عندما يُذكر اسمه وسط حشد من محبى السينما المعاصرين، لن يعرفه إلا أقل القليل منهم، لكن هؤلاء أنفسهم يطالعون وجهه حاد الملامح في عدد غير قليل من الأفلام فلا يشعرون بأنهم يجهلونه. المعروف المجهول، المشهور المنسي، الممثل المتمكن القادر على تجسيد الشخصيات المتنافرة المتناقضة بقدر واحد من الاحترافية والإتقان، فهو الشرير عضو العصابة والضابط ووكيل النيابة والمحامى والطبيب والمريض بالسل والمخرج السينمائى والشيال في محطة السكة الحديد والقس والموظف الصغير. يقنعك في هذه الأدوار جميعا كأنه يعايش مهنته الموروثة التى لا يعرف سواها، ويورطك دائما فتصدقه وتندمج في العالم الذى يصنعه.



مصطفى بيومي يكتب:
واحد من عتاة شريرى السينما
بعض أدوار سعيد خليل متناهية الصغر، لا تتجاوز المشهد أو المشهدين، وبعضها الآخر محورى على الصعيدين الكمى والكيفي، وفى حالاته جميعا يفرض حضوره وتتطلع إليه العيون. يُقال أحيانا إنه من عتاة شريرى السينما، ولا صعوبة في البرهنة على صحة المقولة، وقد يذهب آخرون إلى أنه في طليعة كتيبة الأخيار الطيبين، ولن يعدموا أدلة شتى للتأكيد على صواب رؤيتهم، لكن أدواره الأعظم والأنضج بعيدة عن الدائرة المغلقة لثنائية الخير والشر، وهو ما يتجلى في «الوحش» و«يوميات نائب في الأرياف» على وجه التحديد.

مصطفى بيومي يكتب:
ثنائية الشر والخوف
عبد العال في «ريا وسكينة» ١٩٥٢، و«إسماعيل يسين يقابل ريا وسكينة» ١٩٥٥، نموذج دال على خصوصية الشر عند سعيد خليل. أسلوبه في الإبداع التمثيلى ليس نمطيًا يراهن على حدة الوجه وتجهمه للكشف عن الشراسة والقدرة على ممارسة العنف وإلحاق الأذى، ذلك أنه «رجل» شر تهيمن عليه «امرأة» وتقوده وتتحكم فيه. من هنا تتجلى صعوبة أن تكون شريرًا تابعًا، تتعرض للتوبيخ المهين ويطاردك الاتهام بأنك لست رجلًا. الخوف يسكن عبد العال ويدفعه إلى التوتر المزمن، وفى مشهد دال تلتهمه ريا، نجمة إبراهيم. تطيح بالكوب الذى يمسكه، وتصرخ فيه بقسوة تزلزله: «النسوان اللى زيك ما يشوروش.. يسمعوا وينفذوا وبس». أن تكون شريرًا خائفًا مرتعشًا على هذا النحو ليس بالفعل الميسور في ساحة التمثيل، وكم هو مقنع وجه سعيد في التعبير عن ثنائية الشر والخوف التى تلازمه وتضفى على أدائه مذاقا خاصا، ولا يختلف أسلوب الأداء في الفيلم الثانى إلا بالقدر الذى تفرضه المعالجة المغايرة.

مصطفى بيومي يكتب:
في عدد غير قليل من الأفلام، ينخرط سعيد عضوًا فاعلًا في عصابات إجرامية، ومن ذلك على سبيل المثال، شخصية مخيمر في «صراع في النيل» ١٩٥٩، «البوليس السري» ١٩٥٩، «النشال» ١٩٦٣، «الرعب» ١٩٦٩، «أصعب جواز» ١٩٧٠، أما «باب الحديد» ١٩٥٨؛ فإن تبعية جاد الله مطلقة للمعلم الطاغية شيخ الشيالين أبو جابر، عبد العزيز خليل.
عبد العزيز من أساطين الشر الكلاسيكى في تاريخ السينما المصرية، ورفضه الحاسم لفكرة نقابة الشيالين التى يتحمس لها أبو سريع، فريد شوقي، تنبع من حرصه على الزعامة المنفردة غير المقيدة. أتباعه أقرب إلى عصابة ترفض التغيير، وجاد الله أقرب مؤيديه وأكثرهم تبعية. إذعانه بلا ضفاف، وشره يتجسد في التآمر الذى لا يتوقف.
■ ■ ■ 
الشر في الأفلام السابقة جميعًا يطول الآخرين، لكن إبراهيم أفندى في «لوعة الحب» ١٩٦٠، نموذج إنسانى متفرد، والشر عنده كامن في إدمان الخمر الذى يفسد حياته ويفضى إلى موت الزوجة الطيبة المخلصة قهرا وكمدا.
مع ظهوره الأول، يشكو قلة النوم والتوتر المترتب على المشاجرات الزوجية المتكررة. سكير يلازم الحانة، وتزوره ابنته الطفلة فلا يبدى اهتمامًا ببكائها وتوسلاتها، ثم يغادر معها ساخطًا متبرمًا يردد في استياء: «حاجة تقرف».
انقطاعه عن الحانة يدفع صديقه محمود أفندي، أحمد مظهر، إلى التساؤل:
«- أمال فين إبراهيم أفندي؟
- مراته حرجت عليه من الخروج.. جه هنا أول الشهر ودفع نص ماهيته لمانولى وبعدها ما شفتوش».
هل يعنى الامتناع عن التردد على الحانة توقفه عن الإسراف السفيه ووصوله إلى محطة التوبة والاستقامة؟ الإجابة بالنفي، ذلك أنه يعود إلى سابق عهده بعد أن يدفع ثمن الإدمان فادحًا:
«- أنا المرة اللى فاتت لما جيت من السفر سألت عليك قالولى الجماعة منعوه من الخروج.. لازم النهارده بقى الست مسافرة.
- مسافرة؟ الست تعيش أنت».
يسرف في الشراب باكيًا بعد موتها لينسى إساءاته السابقة، ويعرف الندم بعد فوات الأوان: «ما عرفتش قيمتها إلا بعد ما ماتت».
إدمان الخمر، بكل ما يترتب عليه من تداعيات سلبية، شر إجرامى من طراز مختلف عن ذلك الذى يقترن بعضوية العصابات وتأييد المستغلين الراغبين في الاستحواذ والهيمنة. في مرحلتى الاستهتار والندم، يقدم سعيد خليل أداءً راقيًا صادقًا متزنًا، ينجو من لعنة المبالغة والتشنج. تحولات الوجه، والتحكم في طبقات الصوت، والانفعالات الداخلية المكتومة التى تتسرب إلى المشاهد كأنه يراها، أدوات معتمدة في ترجمة وعى الممثل الكبير بالشخصية عبر مرحلتيها المختلفتين.

مصطفى بيومي يكتب:
أدوار لا تنسى
ثمة أدوار بمثابة العلامات التى لا تُنسى في مشوار سعيد السينمائي، وفى الصدارة شخصية شوقى أفندى في «الوحش» ١٩٥٤، وعبد المقصود أفندى في «يوميات نائب في الأرياف» ١٩٦٩.
للوهلة الأولى يبدو شوقى أفندى شجاعًا جسورًا من دعاة مقاومة الطاغية الوحش عبد الصبور، محمود المليجي، ويتجلى ذلك في خطابه الإنشائى الحماسى الذى يدعو إلى التصدى والمواجهة: «يا ناس اتقوا الله.. هو الخوف ها ينفعكوا ولا يمنع عنكم الضرر.. عيب على شنابكم يا رجالة».
شيء ما في انفعاله يوحى بالافتعال والكذب، ودعوته إلى التخلى عن الخوف قوامها عبارات فضفاضة منمقة، كأنه ينتظر التصفيق والهتاف: «الرجل الجبان تحل عليه اللعنة.. ويجوز عليه الذل للأبد».
أهو صادق مخلص جاد في مقولاته الوعظية الزاعقة هذه؟ مع ظهور الوحش يتحول المسار جذريا، ويكشف وجه الممثل القدير عن خليط من الارتباك والذعر والتلعثم الذى لا افتعال فيه. لا شك أنه يستحق سخرية الوحش اللاذعة، التى تلقى مزيدا من الضوء على طبيعة الشخصية: «سكت ليه؟.. لا أسكت الله لك حسا يا شوقى أفندي.. اخطب.. اخطب يا جريء وخليهم يتكلموا».
شوقى ظاهرة صوتية، وبراعة سعيد لافتة بصدقها العفوى في الانتقال المباغت الذى يكشف عن التهافت والضعف. الادعاء والجشع والخوف مفاتيح شخصيته، ويعى سعيد خليل كيفية التجسيد النفسى والحركى لمثل هذا التكوين غير التقليدي. تحريضه للفلاح هنداوى على التعاون مع الشرطة للإيقاع بالوحش ليس خالصًا لوجه العدالة والتخلص من الطاغية، فهو يضيف بتلقائية كأنه يقرر حقيقة متفقًا عليها: «وما تنساش كمان المكافأة خمسميت جنيه.. مين اللى ها ياخدها غيرك وغيري».
يباهى شوقى ببطولته الوهمية الآمنة، التى يدفع هنداوى ثمنها موت ابنه، وسرعان ما يحل عليه الذعر االكاشف عن جوهره بعد تيقن الفشل. يرتعش باحثًا عن الأمان والحماية، ولعل زوجه هى الأقدر على تعريته وفضح تناقضاته والكشف عن حقيقته. ترفض ما يدعيه من شجاعة وشهامة، وتصارحه بأن الطمع في المكافأة دافعه الوحيد. إلى ما قبل قتله بلحظات، على يدى الوحش المتنكر، يتشبث شوقى بازدواجية الخوف الكامن وادعاء الشجاعة، أما عن التغيير المفاجئ الذى يطرأ على وجه سعيد خليل عند اكتشاف وجود الوحش في ملابس الخفير، فإنه يكشف عن براعة ممثل فذ لا يمثل الخوف ولا يدعيه.

مصطفى بيومي يكتب:
التهمة باطلة
باشكاتب النيابة عبد المقصود أفندي، في «يوميات نائب في الأرياف»، ذو حضور لافت مؤثر. قريب من رجال الهيئة القضائية والشرطة، وليس منهم، وبعيد عن الفقراء الضائعين المهمشين ولا ينجو من مصائرهم في ظل الخلل والقدرة على التلاعب بالقانون.
يقف خانعًا أمام رئيسه الشاب وكيل النيابة، أحمد عبد الحليم، ويبالغ في تبجيله واحترامه، لكنه يمنح نفسه حق النصيحة بتفتيش سجن المركز لاستكمال الإجراءات الروتينية الشكلية، ويعى بخبرته أن تغيير الحكومة يعنى سجناء جددًا بلا اتهام، ما يستدعى اتخاذ الإجراء الشكلى لتجنب الإحراج.
القانون عند عبد المقصود «إجراءات ليس إلا»، ووفق نظريته هذه لا يتورع وكيل النيابة عن حبسه عندما تزعم واحدة من الشهود أنه حسين خطيب ريم، وقد يكون بالتبعية متهمًا في جريمة قتل قمر الدولة علوان. يعرف الوكيل يقينًا أن التهمة باطلة، لكن الإجراءات الشكلية تبرر حبسه.
يقهقه عبد المقصود عندما تمسك به المرأة، ثم ينطفئ وجهه بعد توجيه الاتهام والشروع في التحقيق والأمر بالحبس: «أنت مش بتقول إن العدالة هى إن الورق يكون مظبوط.. إيه يعنى واحد يروح السجن غلط؟.. آدى العدالة بتاعتك وبتاع المأمور يا عبد المقصود أفندي.. دوق!». ومن غير البسطاء من أمثاله يتذوقون طعم العدالة التى ترادف الظلم؟
■ ■ ■ 
يجهل الكثيرون اسم سعيد خليل ويعرفون وجهه المعبر وأداءه التمثيلى العفوى الصادق السلس، وكم في التاريخ السينمائى المصرى من مشهورين مجهولين.

في عدد غير قليل من الأفلام، ينخرط سعيد عضوًا فاعلًا في عصابات إجرامية، ومن ذلك على سبيل المثال، شخصية مخيمر في «صراع في النيل» ١٩٥٩، «البوليس السري» ١٩٥٩، «النشال» ١٩٦٣، «الرعب» ١٩٦٩، «أصعب جواز» ١٩٧٠، أما «باب الحديد» ١٩٥٨؛ فإن تبعية جاد الله مطلقة للمعلم الطاغية شيخ الشيالين أبو جابر، عبد العزيز خليل.
"
هل نجحت حكومة "مدبولي" في تلبية احتياجات المصريين؟

هل نجحت حكومة "مدبولي" في تلبية احتياجات المصريين؟