في الوقت الذي استمتع الصائمون طوال شهر رمضان بموائد إفطار تضم ما لذّ وطاب من الأكلات الشهية يعاني ملايين الأطفال في البلدان العربية والإسلامية من فقر غذائي وأوضاع مأساوية غير مسبوقة. وتؤكد على هذا الواقع المرير منظمات الأمم المتحدة، ومنها اليونيسف التي تعتني بالأطفال، وهو واقع نعرفه جميعًا حق المعرفة، خاصة في غزة وسوريا واليمن والسودان والصومال وغيرها من مناطق النزاعات والحروب على امتداد الخريطة العربية.
للأسف أصبحت منطقتنا العربية تشهد أكبر عدد من النزاعات منذ الحرب العالميّة الثانية والتي يقع ضحيتها أطفال بالملايين، ناهيك عن انتهاكات اتفاقية حقوق الطفل الموقعة عام 1989 والتي كانت يومًا الاتفاقيةَ الأكثر تصديقًا عليها في تاريخ الاتفاقيّات المعنيّة بحقوق الإنسان، لكنها أضحت مسرَحًا للانتهاك الصارخ والجرائم من قتل وتشويه واستغلال جنسي وتجارة بشر وتهجير واعتداء على المدارس والمستشفيات وفقر غذائي شديد. وتقول الشبكة العربية للطفولة المبكّرة في تقرير حديث إن طفلًا واحدًا على الأقل من بين كل 4 أطفال في العالم يعانون من فقر غذائي ويقبع غالبيتهم في غزة واليمن والسودان وجنوب السودان والصومال.
ومع قرب الاحتفال بيوم الطفل الفلسطيني الذي يوافق سنويا الخامس من أبريل، يحل هذا العام في ظل حرب إبادة مستمرة يشنها الاحتلال الإسرائيلي دون رادع ضد قطاع غزة من جهة، وتصاعد عنفه بالضفة الغربية من جهة ثانية، ويقع ضحاياها الأطفال في المقام الأول.
وتوثق الأمم المتحدة الوضع المأسوي في قطاع غزّة حيث يقف مثالاً صارخًا على الانتهاكات ضد الأطفال والتي لم تسلم منها أيضا مراكز الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والعاملين فيها جراء استهداف الجيش الإسرائيليّ لها أيضا بهدف تعطيل عملها ومنعها من توثيق تلك الانتهاكات. وقد أدرجت الأمم المتّحدة الكيان الاسرائيلي ضمن "اللائحة السوداء" للدّول والمنظّمات التي تُلحق الأذى بالأطفال، ووصفت ذلك بأنه حالةً غير مسبوقة من حيث حدّة الانتهاكات الجسيمة المرتكَبة بحقّ الأطفال حيث فاق عدد الشهداء حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 50 ألف شهيد، من بينهم نحو 18 ألف شهيد من الأطفال و10 آلاف من المفقودين، بينما بلغ إجمالي عدد الجرحى في غزة 120 ألفًا و7 آلاف في الضفة، 70% منهم من الأطفال والنساء. ويشير قطاع تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة في شبكة المنظّمات الأهليّة الفلسطينية إلى وجود أكثر من 12 ألف حالة إعاقة في قطاع غزّة، نصفهم من الأطفال بسبب العدوان الغاشم.
الأطفال في غزة لقوا حتفهم تحت الأنقاض. وتعرض آخرون للأذى خلال الاعتقال وفي السجون ولا يمكن التعرف على من عُثر عليهم وقد فارقوا الحياة وذلك بسبب المتفجرات، أو دُفنوا في مقابر جماعية أو مجهولة، أو اختفوا في فوضى الصراع في غزة. وقد لا نعرف أبدًا ما حدث لبعض هؤلاء الأطفال. لكن كل واحد منهم كانت لديه قصة، وعائلة، وأحلام سُرقت منه.
ومن بين المواقف المؤلمة التي يتعرض لها أطفال غزة تعليق سوار في يد كل طفل، حتى يتم التعرف عليه من خلاله تحت الأنقاض، خاصة أنه في كل لحظة قد تجبر أوامر القصف أو الإخلاء الأسر فجأة على التفرق والانفصال. ولهذا السبب تتعاون اليونيسف مع حكومة اليابان لتوزيع 450 ألف سوار هوية على الأطفال في مناطق مختلفة في قطاع غزة. وتكتب الأسرة اسم الطفل وتاريخ ميلاده ورقم هاتف أحد أفراد الأسرة على السوار للمساعدة في لمّ شملهم إذا انفصلوا.
وبالنسبة للوضع التعليمي في غزة فقد تضررت أكثر من 85% من المدارس البالغ إجمالي عددها 813 مدرسة، وهناك 320 مدرسة تستخدم كملاجئ للنازحين وقد تعرض أكثر من نصفها لقصف مباشر وأسفر عن أضرار جسيمة يسبب الانفجارات. ويعمل بمدارس غزة حوالي 22 ألف معلّم، وقد تلقت الأمم المتحدة أنباء عن مقتل 261 معلما إضافة إلى 5479 تلميذا وطالبا، إلى جانب إصابة ما لا يقل عن 7819 طالبا و756 معلما.
أما في اليمن فهذا أيضا كابوس مستمر ومتصاعد يصارعه مليونان من الأطفال توقفوا عن التعليم في مدارسهم التي تم تدميرها منذ عام 2015، ناهيك عن الأطفال الذين يعانون من إعاقات وسوء تغذية ونقص مياه وعدم الحصول على الرعاية الصحية. ونتيجة لذلك، ارتفعت مؤشرات وفيات الأطفال، خاصة الخُدّج وإصابة بعضهم بأمراض ترافقهم مدى العُمر كالشلل الدماغي. وحسب إحصاءات الأمم المتحدة في اليمن تم تسجيل أعلى معدلات وفيات للأطفال في الشرق الأوسط، حيث يموت طفل كل عشر دقائق و60 طفلا من كل 1000 مولود جديد!
وزادت الضربات الأمريكية والإسرائيلية مؤخرا الوضع سوءا، ودمرت المزيد من المدارس والبنية الأساسية وتراجعت خدمات الرعاية الصحية أكثر فأكثر. ولا تحدث الوفيات فقط بسبب الغارات ولكن أيضا بسبب الآثار الثانوية على سبل العيش وأسعار المواد الغذائية وتدهور الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم. وهكذا هو الحال في العديد من الدول العربية التي تعاني الاحتلال والنزاعات، حتى أن هذا العقد يمكن أن نطلق عليه عقد اغتيال الطفولة العربية وسرقة الأحلام ولا تكفي صرخات الأطفال والمنظمات الإنسانية للعمل على تغيير الوضع بل يحتاج ذلك صرخات ضمائر من العالم كله وحملات لحشد الجهود للتدخل في أسرع وقت!