الأحد 02 يونيو 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

بالعربي

Le Dialogue بالعربي

هيوارد كارتر في مـصر (4-3).. ثورة المصريين ضد هيوارد كارتر

البوابة نيوز
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

حكومة سعد زغلول.. ويظهر مرقص حنا الثانى على اليمين
توقفنا فى المقال السابق عندما عاد كل من لورد كارنارفون ممول الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون وهيوارد كارتر مكتشف المقبرة إلى مصر فى شهر فبراير عام ١٩٢، وذلك لكى يقوما باستئناف العمل وفتح مقبرة توت عنخ آمون رسميا. وكذلك البدء فى إخراج الكنوز الذهبية من المقبرة إلى لندن حسب مخططهما!.. والحقيقة أن كلا من اللورد كارنارفون وكارتر كانا على ثقة تامة أن نصف كنوز الملك إن لم تكن كلها سوف تكون من نصيب اللورد كارنارفون يتصرف بها كيفما يشاء سواء بالبيع أو الاحتفاظ بها! بل الأغرب من ذلك أن اللورد الإنجليزى أصبح بالفعل يتصرف فى الكنز حسبما يشاء ودون العودة لأحد حتى الحكومة المصرية، بدليل أنه وحده قام ببيع الحقوق الحصرية لنشر أخبار الكشف الأثرى لجريدة لندن تايمز بمبلغ خمسة آلاف جنيه استرليني! كما لو كانت المقبرة قد تم اكتشافها أسفل أرضية غرفة نومه فى قصره فى هاى كلير بإنجلترا؟!
ويبدو أن القدر كان رحيمًا بالمصريين وبكنوز ملكهم الذهبي، فلم يكد شهر أبريل ١٩٢٣ يبدأ إلا ويصعق هيوارد كارتر بخبر وفاة اللورد كارنارفون وذلك فى يوم ٥ ابريل ١٩٢٢. وفى الحقيقة ورغم بوادر المشاكل وصراع السلطة على الكنز التى كانت بوادرها قد بدأت فى الظهور بين كارتر وكارنارفون إلا أن وفاة الأخير المفاجئة أضعفت كثيرًا من موقف كارتر الذى ظل يحارب بدعوى أحقية عائلة اللورد فى الاحتفاظ بالكنز أو على الأقل اقتسامه بين العائلة والحكومة المصرية. وقبل أن نغلق صفحة اللورد المتوفى ونكمل الحكاية مع كارتر لا بد من التنويه بأن اللورد كارنارفون كان يخطط لأن يكون هو وحده فى مقدمة المشهد وفى كل خبر عن الكشف عن المقبرة، وكان يتحدث كما لو كان المكتشف الأصلى للكنز وأنه هو من بدأ فكرة البحث عن مقبرة توت عنخ آمون. بالطبع كان اللورد يخشى أن ينحصر دوره فى كونه فقط حافظة النقود التى مولت الكشف. ولهذا السبب بدأ اللورد فى معاملة كارتر بجفاء وحاول إقصاءه بعد أيام قليلة من الكشف لكن الأخبار كانت قد انتشرت فى العالم كله ولم يكن أمام اللورد سوى الرضوخ للأمر الواقع والتعامل مع هيوارد كارتر على مضض. 
 

حكومة سعد زغلول.. ويظهر مرقص حنا الثاني علي اليمين


انتهى الموسم الأول بعد أيام قليلة من وفاة اللورد ويعود كارتر إلى انجلترا لقضاء الصيف والتفكير كيف سيقوم بالحفاظ على الكنز وتخليد اسمه معه. وكانت الخطوة الأولى فى النجاح بإبقاء الحق فى الكشف باسم السيدة ايفيلين إبنة اللورد كارنارفون والتى قامت أيضًا بتجديد العقد مع لندن تايمز لموسم آخر وقبضت الثمن.
فى أكتوبر ١٩٢٤ يعود كارتر إلى مصر ليبدأ الموسم الثانى وتتواصل المشاكل بين كارتر والمصريين ويرفض كارتر السماح لوفد من كبار الموظفين المصريين بزيارة المقبرة فى حين كان يريد السماح لزوجات مساعديه وصحباتهن الأجنبيات الدخول إلى المقبرة لحظة الكشف عن مومياء الملك!.. ومرة ثانية كان كارتر يتصرف من خلال النزعة الاستعمارية المتأصلة فى نشأته كإنجليزى على الرغم من انتمائه لأسرة فقيرة وعلى الرغم من تصنيفه كجاهل أو إنسان غير متعلم فى الأوساط الإنجليزية الأرستقراطية كما وضحنا من قبل فى مقالات سابقة.
كان كارتر قد استعد للكشف عن مومياء الملك، ففى ١٢ فبراير ١٩٢٤ تمكن كارتر من رفع غطاء التابوت الذى ظل معلقًا بالحبال فوق التابوت الحجرى الذى يضم التوابيت الداخلية للملك. وتعتبر صورة غطاء تابوت توت عنخ آمون وهو معلق فى سقف حجرة الدفن من الصور الدرامية التى نجح فى التقاطها هارى برتون مصور البعثة، والتى انتشرت فى العالم كله لتجذب الملايين لأخبار الكشف الذهبي.
 

مرقص حنا الثاني


بمجرد تولى مرقص باشا حنا وزارة الأشغال التى يقع فى نطاقها إدارة مصلحة الآثار وذلك فى ٢٨ يناير ١٩٢٤، يبدأ مرقص باشا المعروف بكراهيته للإنجليز ومحاربته لوجودهم فى مصر فى تحين الفرصة لطرد كارتر من مصر. ولكى نفسر سبب العداء بين مرقص باشا حنا والإنجليز لابد لنا من فهم من هو مرقص حنا؟ ذلك الشاب الوطنى العبقرى الذى درس القانون فى باريس وعاد ليصبح عضو نقابة المحامين وبعدها نقيبًا للمحامين. كان وطنيًا مؤيدًا لمصطفى كامل ثم وفديًا مناصرًا لسعد باشا زغلول الذى بمجرد أن نفاه الإنجليز لجزيرة سيشل، أو ما سمى بالنفى الثانى، قام الإنجليز بالقبض على مرقص حنا ومعه ستة آخرين، هم كبار أعضاء الوفد، وتمت محاكمتهم بتهمة الخيانة والتحريض بواسطة محكمة عسكرية إنجليزية والتى أصدرت على مرقص حنا والآخرين حكمًا بالإعدام وذلك فى يوليو ١٩٢٢ وبمعجزة يتم تخفيف الحكم إلى السجن سبع سنوات وغرامة ٥ آلاف جنيه لكل من السبعة ومنهم مرقص حنا، الذى خرج بعد أن أمضى فى سجن قرة ميدان ثمانية أشهر مع القتلة والمجرمين واللصوص. وفى أثناء سجن مرقص حنا تم اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، بل ووفاة اللورد كارنارفون، وإسقاط وزارة عبدالخالق ثروت الموالية للإنجليز والتى كانت ستعدمه هو وأصحابه. وينجح مرقص حنا بعد قليل فى أن يصبح وزيرًا للأشغال فى أول وزارة يشكلها الوفد برئاسة سعد باشا زغلول فى نهاية يناير ١٩٢٤ وكان هيوارد كارتر يعد تجهيزات فتح تابوت الملك الذهبى توت عنخ آمون.
بمجرد أن سمع مرقص باشا حنا بما صنعه كارتر مع المصريين وما يريد أن يصرح به لزوجات أعضاء فريقه حتى بعث لبير لاكو أمرا بإغلاق المقبرة وتسلم مفتاحها من كارتر بل ويقوم حنا باشا بارسال عربة شرطة مع بيير لاكو لتنفيذ الأمر.
 


يستشيط كارتر غضبًا لما اعتبره إهانة، ويقوم على الفور بإغلاق المقبرة من جانبه وحده، ويرفض تسليم مفتاحها. بل ويقوم بكتابة بيان غاضب يعلقه على باب فندق ونتر بالاس بالبر الشرقى للأقصر. وتقوم جريدة لندن تايمز بالهجوم على مرقص حنا واعتباره عدوًا لبريطانيا العظمى وكارهًا للإنجليز. بينما فى مصر يكتسب مرقص حنا المزيد من الشهرة وهو المعروف سابقًا بمواقفه الوطنية التى أحرجت الاحتلال البريطانى الذى اتهم المصريين بأنهم لا يهتمون بالآثار ويعتبرونها آثار الكفرة بدعوى أن المصريين مسلمون متشددون فيفاجأوا بمرقص حنا المصرى المسيحى يقود المصريين مسلمين ومسيحيين مدافعًا عن بقاء الملك توت وكنوزه فى مصر بوصفه واحدًا من أجداد المصريين.
نعود إلى كارتر الذى عاد إلى القاهرة ليرفع قضية فى المحكمة ضد الحكومة المصرية مصرًا على حق عائلة اللورد الراحل كارنارفون فى الحصول على جزء من المقبرة، ويتم تداول القضية فى المحكمة وعندما يشعر كارتر باليأس يعود إلى إنجلترا ومنها يذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى جولة لإلقاء سلسلة من المحاضرات عن الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون.
 



النقطة الفارقة 
الحظ يخدم كارتر مرة أخرى للأبد!.. فى يوم الخميس ٢٠ نوفمبر عام ١٩٢٤ تقوم مجموعة من الشباب المصرى بإلقاء قنبلة على سيارة السير لى ستاك حاكم السودان بينما هو خارج من مبنى وزارة الحربية المصرية متجهًا إلى منزله بحى الزمالك. ويتم إعلان وفاة السير لى ستاك فى اليوم التالى متأثرًا بجراحه. وتصبح وزارة سعد باشا زغلول فى حرج شديد بعد اغتيال لى ستاك ولم يكن هناك حل سوى استقالة الحكومة ومن ضمنها وزير الأشغال مرقص باشا حنا، العدو العنيد لعمل كارتر فى مصر. 
وتنتهز إنجلترا حادث مقتل السير لى ستاك فى فرض المزيد من النفوذ والسيطرة. وتحاول الوزارة الجديدة تهدئة الوضع مع الإنجليز ويتم النظر فى الخلافات التى نشبت خلال وزارة سعد باشا زغلول والتى من ضمنها الصراع على مقبرة توت عنخ آمون ويتم استدعاء كارتر إلى مصر وبحضور بيير لاكو وليدى كارنارفون يتم الاتفاق على البنود التالية: يقوم كارتر وليدى كارنارفون بالتنازل عن جميع القضايا المرفوعة ضد الحكومة المصرية. وبموجب هذا التنازل يتوقف كارتر وليدى كارنارفون عن المطالبة بأى جزء من المقبرة. وفى المقابل يتم تعويض ليدى كارنارفون وعائلة اللورد الراحل كارنارفون بمبلغ ٣٦ ألف جنيه استرلينى تمثل جملة ما تم إنفاقه من قبل اللورد الراحل فى البحث والكشف عن المقبرة. وبناء عليه يتم إلغاء تصاريح ليدى كارنارفون بحق الحفر فى وادى الملوك، على أن يقوم كارتر وفريقه باستئناف العمل بالمقبرة بتمويل خاص من مصلحة الآثار وتحت سلطة رئيس مصلحة الآثار.
وبهذا الاتفاق المذهل ينتهى وللأبد الصراع على كنز توت عنخ آمون بل وتنجح الحكومة المصرية فى دفع كل مليم تم إنفاقه على الكشف بل ولم تستثن أو تقتطع الأموال التى تحصل عليها اللورد وابنته من جريدة لندن تايمز أو أى أموال أخرى حصلوا عليها بعد الكشف.
لقد تكفلت مصر منذ تاريخ هذا الاتفاق بالكشف عن مقبرة أحد ملوكها ودفعت كل المال الأجنبى الذى كان يتم استخدامه ذريعة للاستيلاء على كنز ملكها الذهبى توت عنخ آمون. وتلك كانت القصة التى لا يعرف فصولها كثير من الناس داخل وخارج مصر. لكن يبقى سؤال مهم! هل سرق هيوارد كارتر بعضًا من كنوز الملك توت عنخ آمون؟ هذا ما سنعرفه فى مقالنا التالى بإذن الله.
لمطالعة موقع ديالوج.. عبر الرابط التالي:

https://www.ledialogue.fr/