من معالم عظمة مصر وتقدمها، أنها عرفت الإله الواحد، وقدّسته بل وتقرّبت له وقدمت له القرابين، واتخذت مقدسًا من نبات أو طير أو حيوان واعتبرته رمزًا للخير الذى فاض به الرب على شعب مصر، بل ورفعت هذا المُقدس وأعلت من شأنه وبنت له المعابد ونقشت رموزه على جدران المعابد وأطلقت عليه لقب الإله. لم يكن لقب الإله الذى أطلق على هذه المقدسات مقصود به الإله الأكبر خالق الكون، وإنما إله خاص بشأن معين من شئون الحياة، كالزراعة والخصوبة، والنيل، والهواء، كنوع من أنواع العرفان والشكر لهذا المُقدس وفق المعتقد المصرى القديم. خلال الشهر الفضيل تصحبكم «البوابة» فى رحلة للتعرف على أشهر مقدسات مصر القديمة.
الإله «بس» هو أحد الآلهة المصرية القديمة، وكان يحظى بشعبية كبيرة خلال الدولة الحديثة، ويمثل بصورة قزم منتفخ الوجنتين وله ذقن تشبه المروحة وترتسم على وجه علامات الوجوم لتثير الرعب فى نفوس الأشرار، وفى بعض الأحيان وخاصة ابتداء من الأسرة الثامنة عشرة كان بِس يصور ولديه زوجين من أجنحة الصقر.
ذكر اسم الإله «بس» فى جنوب الدولة القديمة وكان يصور نقشه على الأسرة، ولكن يعتقد بأنه لم يعبد إلا فى عصر الدولة الحديثة فى طيبة، وقد وجد ذكره بكثرة فى معبد دندرة، وقد عبد بِس فى العصر الرومانى على أنه الشافى الذى تسلح بالدرع والسيف.
رُمز للإله «بس» عند المصريين القدماء إله الضحك والفكاهة، وبما أن المصريين اعتادوا على العمل الشاق قديمًا، فكانوا بحاجة إلى أمور مضحكة وطريفة تسهل يومهم وتمرر الوقت.
انتشر تقديس «بس» بين عامة القوم، وأصبح واحدًا من المعبودات الشعبية، فقد كان جالبا للسرور فى منازل طبقات القوم المختلفة، وكان حاميا للأسرة، ومتصدراً لطقوس الزواج وزينة المرأة، وصديقاً حميماً للمرأة يساعدها أثناء الولادة ويحمى الوليد، وقد صور فى أحيان كثيرة وهو يرقص حول المرأة عندما تضع حملها لأول مرة.
يتواجد تمثال الإله «بس» داخل معبد دندرة، أو كما يُعرف باسم معبد حتحور، والذى تتواجد فيه أيضاً، إلهة الحب والجمال والأمومة لدى المصريين القدماء، يقع على بعد ٥ كيلومترات من مدينة قنا المصرية، وهو معبد مسقوف وليس مكشوف السقف، وله ٣ طوابق وأكثر من ١٠ سراديب، ويحتفظ بألوان جدارياته زاهية رغم مرور آلاف السنوات عليها، وتبلغ مساحة المعبد بعد الإضافات الجديدة ٤٠ ألف متر مربع. صور الإله «بس» على التمائم المصنوعة من عاج التماسيح، والتى كان الغرض منها الحماية ضد حيوانات الصحراء والثعابين، وكان يصور وهو يمسك ثعابين فى يديه أو سكاكين وسيوف وكذلك باعتباره إله للرقص والموسيقى فيصور وهو يعزف على أحد الآلات الموسيقية مثل الدف أو الطبلة ويؤدى بها رقصات ترفيهيه تدخل السرور والمرح على القلوب وتطرد الأرواح الشريرة بأصواتها.
أصبح الإله «بس» الحامى وجالب السلام للميت، ومن ثم فقد صور على الوسادة التى تحت رأس المومياء وكذلك لحماية النائمين أثناء نومهم خوفا من اقتلاع قلوبهم وحتى حماية أحلامهم، هذا وقد كانت الصورة الأنثى للإله بس هى «بست «الحية قاذفة اللهب، وكانت مركز عبادة بس فى دير المدنية والعمارنة وظل يعبد حتى العصر الرومانى.
عُثر على بعض أوراق البردى بها تفصيلات عن عيد «بس» تعود لعصر الدولة القديمة عام ١٩١٦، والذى كان مخصصا لتزويج الفتيات التى تقدم بهن العمر دون زواج وكان كل حاكم إقليم يقيم مهرجان شعبى للفرح والسرور كان يقدم فيه هدية لكل من يتزوج واحدة من هؤلاء الفتيات ويعطى له حصة من فوائض إنتاج الإقليم الزراعى وكان يقام مهرجان كبير للفتيات السمان يسمى ملكة جمال اليقطين ومن تفوز تتزوج.