رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
د. حسين علي
د. حسين علي

حضارة اللفظ

الثلاثاء 11/أغسطس/2020 - 12:08 ص
طباعة
الناس في بلادنا تطربهم الألفاظ المنمقة، وتستهويهم العبارات الرنانة، وتأسرهم الحكم والمواعظ والأقوال المأثورة، وتؤجج مشاعرهم الخطب الحماسية؛ إلى حد أنهم في أحيان كثيرة يستعيضون عن الأفعال بالأقوال. ونحن نعلم إلى أي حد كان العرب- ومازالوا- مفتونين بالشعر وفنونه، حتى شاع بينهم القول بأن «الشعر ديوان العرب».
 فلقد احتفى العرب بالشعر احتفاءً عظيمًا، قديمًا وحديثًا وحتى اليوم.
يؤكد نزار في قصيدة له بعنوان «هوامش على دفتر النكسة» أن بلاغة اللفظ لا تنجز أهدافًا، وأن النصر لا يتحقق «بما نملكه من مواهب الخطابة»، الانتصارات لا تتحقق «بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة». وإذا كان نزار قباني قد قال في قصيدته المشار إليها (هوامش على دفتر النكسة): «نقعد في الجوامع تنابلًا كسالى، نشطر الأبيات، أو نؤلف الأمثالا، ونتسول النصر على عدونا من عنده تعالى».
 فإننا اليوم لم نعد نقعد في الجوامع، بل نجلس على صفحات التواصل الاجتماعي (فيس بوك) تنابل كسالى، نتبادل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأقوال المأثورة والحكم والمواعظ على نحو شديد الكثافة، لا فرق في ذلك بين من هو حاصل على شهادة محو الأمية، والآخر الحاصل على أعلى الشهادات الجامعية كالدكتوراة وغيرها. 
لا يكتفي رواد مواقع التواصل الاجتماعي بتلقي الرسائل أو إرسالها، بل إن كل واحد منهم يحث الآخر على أن يكون فعَّال للخير، ولا يدع الرسالة تقف عنده، بل يتوجب عليه أن يبعث بها إلى عشرة أشخاص من أصدقائه ومعارفه، وبخاصةٍ إذا كانت الرسالة ذات صبغة دينية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يطالب المُرْسِل بشيء شديد الغرابة، إذ يوصي المُرْسَل إليه بأن يعيد الرسالة مرةً أخرى إليه برهانًا على المحبة والاعتزاز، إذ عادةً ما تُخْتَتم مثل هذه الرسائل بعبارة تقول: «لا تبقها عندك، وارسلها إلى من تحب من أصدقائك، حتى وإن كنت أنا واحدًا منهم». 
ونود الإشارة أيضًا إلى ظاهرة لافتة للنظر منتشرة على صفحات التواصل الاجتماعي، وتتمثل في حملات لجمع «مليار صلاة على النبي» (صلى الله عليه وسلم)، وتُشْحَذ الهمم، وتتعالى الصيحات، ويتم تبادل النداءات، وتشعر وكأن جوهر الدعوة الإسلامية ينحصر فقط في الصلاة على النبي، تشعر وكأن تحرير القدس مرهون بإنجاز هذه المهمة، مهمة جمع مليار صلاة على النبي. أو أن من سوف يشارك في نجاح هذه المهمة سوف يكون واحدًا من المبشرين بالجنة. إذ تجد العامل البسيط والأستاذ الجليل كلاهما يشارك بحماس في مثل تلك الحملات. صحيح أن القرآن الكريم يأمرنا بالصلاة على النبي، إذ يقول سبحانه وتعالى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» (سورة الأحزاب – آية 56). إن الصلاة على النبي أمر إلهي يجب طاعته، إن ما نقوله هنا ليس إنكارًا لجدوى الصلاة على النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وليست دعوة لأن يتخلى المسلم عن الصلاة على النبي، بل إن كل ما نطالب به هو عدم الاكتفاء بهذه الدعوات والاقتصار عليها. فهناك أيضًا آيات بينات تحث على العمل، إذ يقول المولى سبحانه وتعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ».. (سورة التوبة – آية 105).
إن الاقتصار على الدعاء، كما هو واقع على صفحات التواصل الاجتماعي، يكشف عن خنوع وتكاسل لا مبرر لهما، لو كان تحسن أحوال البلاد والعباد مرهونًا بمجرد التوجه إلى الله بالدعاء؛ لصار حال المشركين والكفار (وفي مقدمتهم وعلى رأسهم: أمريكا وإسرائيل) مزريًا بسبب تواصل تضرعنا إلى الله طوال عشرات السنين أن ينتقم منهم ويخسف بهم الأرض ويذلهم وينتقم منهم شر انتقام.. لكن ما حدث عكس ذلك تمامًا إذ تقدمت مجتمعاتهم وازدهرت حياتهم وطابت أحوالهم.. أما نحن فصارت حياتنا من سيئ إلى أسوأ.. ومع ذلك مازلنا نتبادل الأدعية على صفحات التواصل الاجتماعي، ويختتم وعَّاظنا خطبة الجمعة بالدعاء، قائلين في تضرع وخشوع: «اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين وسائر الطغاة والمفسدين» ورغم هذا الدعاء نجد أن الطغاة في أوطاننا يزدادون طغيانًا، وأن المفسدين يزدادون فسادًا!!
"
مع وجود فيروس كورونا.. هل توافق على عودة الأفراح ؟

مع وجود فيروس كورونا.. هل توافق على عودة الأفراح ؟