رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

"لغات السكان الأصليين".. شعار اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم

الخميس 08/أغسطس/2019 - 07:11 ص
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
أ.ش.أ
طباعة
يحيي العالم غدا الجمعة "اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم " لعام 2019 ، وذلك تحت شعار " لغات السكان الأصليين" ، حيث تتحدث الغالبية العظمى من الشعوب الأصلية اللغات المعرضة للخطر. 
وتشير التقديرات إلى أن لغة السكان الأصليين تختفي كل أسبوعين ، مما يهدد الثقافات ونظم المعرفة التي تتوافق معها. ولهذا السبب ، يتمثل الهدف في هذا اليوم الدولي في لفت الانتباه إلى الفقدان الحاد للغات الأصلية والحاجة الملحة للحفاظ عليها وتنشيطها والترويج لها على الصعيدين الوطني والدولي. فهناك ما يقدر بنحو 370 مليونا من السكان الأصليين في العالم ، يعيشون في 90 دولة. وهم يشكلون أقل من 5 % من سكان العالم ، ولكنهم يمثلون 15 % من أفقر السكان. يتكلمون أغلبية ساحقة من لغات العالم التي يقدر عددها بـ 7000 لغة ويمثلون 5000 ثقافة مختلفة. وتتعرض 2680 لغة لخطر الانقراض .
والشعوب الأصلية هي ورثة وممارسين للثقافات الفريدة وطرق التواصل مع الناس والبيئة. لقد احتفظوا بخصائص اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية متميزة عن خصائص المجتمعات المهيمنة التي يعيشون فيها. على الرغم من الاختلافات الثقافية ، فإن الشعوب الأصلية من جميع أنحاء العالم تشترك في مشاكل مشتركة تتعلق بحماية حقوقهم كشعوب متميزة.
وقد سعت الشعوب الأصلية إلى الاعتراف بهويتها وطريقة عيشها وحقها في الأراضي والأقاليم والموارد الطبيعية التقليدية لسنوات ، ومع ذلك ظلت حقوقها تنتهك عبر التاريخ. الشعوب الأصلية اليوم ، يمكن القول إنها من بين أكثر المجموعات حرمانًا وضعفًا في العالم. ويدرك المجتمع الدولي الآن أن التدابير الخاصة مطلوبة لحماية حقوقهم والحفاظ على ثقافاتهم وطريقة حياتهم المتميزة.
ويتوافق الاحتفال باليوم الدولي للشعوب الأصلية هذا العام مع السنة الدولية للغات السكان الأصليين ، حيث تلعب اللغات دوراً مهماً للغاية في الحياة اليومية لجميع الشعوب ، وهي محورية في مجالات حماية حقوق الإنسان وبناء السلام والتنمية المستدامة ، من خلال ضمان التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات. ومع ذلك ، على الرغم من قيمتها الهائلة ، لا تزال اللغات في جميع أنحاء العالم تختفي بمعدل ينذر بالخطر بسبب مجموعة متنوعة من العوامل. كثير منهم لغات أصلية. 
وتعد لغات السكان الأصليين على وجه الخصوص عاملاً مهماً في مجموعة واسعة من قضايا الشعوب الأصلية الأخرى، لا سيما التعليم والتطوير العلمي والتكنولوجي والمحيط الحيوي والبيئة وحرية التعبير والتوظيف والاندماج الاجتماعي. واستجابة لهذه التهديدات ، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 178/71 بشأن "حقوق الشعوب الأصلية " ، وأعلنت عام 2019 السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية.
وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) قد وضعت 5 معايير لتصنيف اللغات في العالم، تتدرج من تعرض لغة ما للخطر إلى إقرار اندثار عدد من اللغات. أولها: أن تكون لغة معرضة للخطر، وهي التي يتحدث بها معظم الأطفال لكن ضمن نطاق ضيق كأن يتعاملوا بها في حدود البيت مثلاً؛ وثانيها: أن تكون لغة مهددة بالانقراض فعلاً، وهي تلك التي لم يعد الأطفال يتعلمونها في المنزل، على الرغم من أنها لغتهم الأم ؛ وثالثها: أن تكون لغة معرضة للانقراض بشدة، وهي التي يتحدث بها الأجداد والأجيال القديمة، ومع أن جيل الأبوين قد يفهمها إلا أن الأبوين لا يتحدثان بها مع أطفالهما أو فيما بينهما ؛ ورابعها: أن تكون اللغة معرضة للانقراض بشكل كبير، وهي عندما يكون أصغر المتحدثين بها هم الأجداد وكبار السن، لكن حديثهم بها يكون في أوقات وجيزة، أو نادراً ما يتحدثون بها؛ وآخرها: أن تكون لغة مندثرة، وهي التي لم يعد يتحدث بها أحد. ويضاف إليها معايير أُخرى تفصيلية أو تفضيلية لبقاء اللغات، أوتعرضها لخطر الانقراض، منها عدد الناطقين باللغة؛ إذ يحدد العدد الأدنى لبقاء لغة من زوالها بعدد متكلمين لا يقل عن 100 ألف شخص. ويضاعف فرصها في البقاء عوامل أساسية، منها: أن تكون مكتوبة، ومستعملة في المعاملات والتعليم، وأن تكون من اللغات التي يترجم منها وإليها، ولها مساحتها على شبكة الإنترنت، وذات قابلية للبحث والمعالجة الحاسوبية، وتتوفر على مصداقية في كتابة البحوث العلمية ونشرها، فضلاً عن استخدامها في الإعلام المرئي والمسموع، والمال والأعمال.
واللافت في قراءة أطلس اللغات المهددة بخطر الانقراض، أن قرابة 96% من لغات العالم يتداولها أقل من 4% من سكان هذا الكوكب، وهي في أكثرها لغات شفوية خاصة، ليست لها رموز كتابية، ولا تستخدم في التعليم والإعلام، ولا يترجم منها وإليها. فاللغات الداخلة في هذا الباب ( الترجمة) لا تتجاوز 60 لغة، وتقع العربية في المرتبة الـ 18منها. والمثير أن نحو 20% من لغات العالم يتداولها عدد متكلمين يقدر بعشرات الملايين من السكان في عدة بلدان أي إنها عابرة لمناطقها، في حين أن نحو 80% من لغات العالم تمثل لغات مستوطنة، أي أن كلاً منها محصور الاستعمال في بلد واحد لا تتجاوز حدوده.
وفيما قدرت الموسوعة الإنجليزية أن قرابة نصف سكان العالم مع نهايات القرن الـ 20 كانوا يستخدمون إحدى ثماني لغات هي الأكثر استعمالًا على ظهر الكوكب وهي : الصينية 1.2 مليار فرد ؛ الإنجليزية 487 مليون فرد؛ الهندية 437 مليون فرد؛ الإسبانية 392مليون فرد؛ الروسية 294 مليون فرد؛ العربية 225 مليون فرد؛ البرتغالية 184 مليون فرد؛ الفرنسية 125 مليون فرد. وتشير تقارير عدة بأن 50% إلى 90% من اللغات التي يتكلم بها سكان الأرض ستكون معرضة للانقراض في القرن الـ 21، ففي البرازيل مثلاً ماتت 540 لغة من لغات السكان الأصليين (75% من إجمالي عدد اللغات فيها) منذ استعمار البرتغال البلد سنة 1530. وفي شمال شرق آسيا فإن 6 لغات فقط هي التي يتوقع لها أن تثبت في وجه اللغة الروسية من ضمن 47 لغة في تلك المناطق، إذ انقرض منها 20 لغة لا يتجاوز عدد الناطقين بكل منها أكثر من 12 فرداً، و 8 لغات معرضة لخطر جسيم لأنها لا تنتقل من الآباء إلى الأبناء مع أن عدد المتكلمين بها كثير نسبياً، و13 لغة أخرى معرضة لخطر الانقراض. وفي أوروبا انقرضت 12 لغة على مدار 300 سنة ؛ وفقدت أستراليا أكثر من 80% من لغاتها البالغ عددها 250 لغة كانت حية في نهايات القرن الـ 18 . وفي أفريقيا مثلاً هناك أكثر من 200 لغة يتكلم كلاً منها أقل من 500 فرد. ويذكر الأطلس أن 300 لغة قد انقرضت في القرن الـ 20 وحده.
وتشير أحدث بيانات اليونسكو لعام 2018 بأطلس لغات العالم المهددة بالاندثار إلى أن 2500 لغة محلية مهددة بالاندثار، وأن هناك لغة تنقرض كل أسبوعين، ما يعني أن 25 لغة تنقرض سنويا، ومع استمرار هذه الحال فإن 90% من اللغات المهددة ستزول. وقد يشمل خطر الاندثار دولا أوروبية مثل النرويج والسويد والدنمارك ، فاللغات الشمالية هناك تواجه تحديات كبيرة ويتراجع عدد الناطقين بها، خصوصا أمام زحف الإنغلو- أميركية. بل إن الخطر يهدد لغات محلية عدة في فرنسا، مثل اللغة البروتونية الشهيرة وسواها، ما يحدث إرباكاً في الثقافة الفرنسية. وهكذا الأمر في بلجيكا وإسبانيا وسواهما ، إضافة لدول الأطراف في أفريقيا وآسيا. وترتبط الأسباب بالديموغرافيا البشرية والطبيعية والثورة الرقمية والعولمة، بالإضافة إلى الحروب والهجرات القسرية والكوارث. وقد عززت وسائل الإعلام عزل بعض اللغات التي باتت تنافسها الإنجليزية، مثل الهند والصين وبعض دول أميركا اللاتينية.
وتثير بعض هذه البيانات القلق بشكل خاص، فمن أصل 6000 لغة متداولة في العالم، انقرضت نحو 200 لغة على مدى الأجيال الثلاثة الأخيرة، في حين تعتبر 573 لغة أخرى من اللغات المحتضرة؛ و502 لغة من اللغات المعرضة للخطر الشديد؛ و632 لغة من اللغات المعرضة للخطر؛ و607 لغات من اللغات الهشة. وحسب الأطلس، فإن قارة أفريقيا تعد حاضنة لأكبر نسبة من الشعوب الأصلية حيث تضم 50 مليون شخص ، ومن بين 7 آلاف لغة في العالم تحتوي أفريقيا على ثلث لغات العالم، 80 % منها لا تملك صياغة كتابية محددة، وهذا بالمقارنة مع أوروبا التي تملك ثمن سكان العالم وتضم نحو 300 لغة فقط. وتنقسم اللغات الأفريقية إلى 1436 لغة إلى أسرن نيجر كونغو؛ و371 أفروآسيوية ؛ لغة نيل صحراوية ؛ و35 لغة خويسان في جنوب القارة. كما توجد تجمّعات كبيرة منهم في شمال أفريقيا، حيث يعيش الأمازيغ، إضافة إلى آخرين في النيجر ومالي وبوركينا فاسو والكاميرون في غرب قارة أفريقيا، وفي شرق أفريقيا يوجد سكان رعويون في إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ، فضلاً عن آخرين في جنوب أفريقيا.
ومع أن ظاهرة اندثار اللغات مألوفة عبر تاريخ الشعوب والحضارات القديمة المتوالية، إذ ماتت لغات عدة لم يبق منها سوى اسمها، فما يلفت النظر الآن في عصرنا الراهن هو الإيقاع السريع لانقراض اللغات ودخولها خانة اللغات الميتة. والأسباب، وفق المراقبين، كثيرة منها ما يرتبط بالديموغرافيا البشرية والطبيعية، وما يرتبط بالثورة الرقمية التي جعلت لغات تتقدم على أخرى، بل تفترسها، كما يعبر أحد الباحثين. ومن هذه الأسباب جميعاً ، الحروب، والهجرات القسرية، والكوارث الطبيعية الرهيبة التي تقتلع مناطق وقبائل وأقليات من جذورها.
ولعل العولمة التي اتسمت بالطابع الأميركي والاستعمار الجديد وحضارة السوق المنتصرة والاقتصاد الاستهلاكي، من الأسباب المهمة التي ساهمت كثيراً في انقراض اللغات الشعبية والمحلية، وفي عزلها خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت والفضائيات التي لا تستخدم إلا الإنجليزية . بل إن لغة العولمة هذه غزت كل لغات الأرض وباتت تنافسها في عقر دارها، ولم تترك دولاً كبيرة، مثل الهند والصين والقارة الأميركية اللاتينية. واضطرت الدولة الفرنسية قبل فترة إلى إحياء حملة عنوانها تنقية لغتنا من الأميركية. والمفاجئ فعلاً هو القدرة الهائلة التي تملكها وسائل التواصل الحديث على اختلافها في تمهيد السبل للغزو اللغوي الأميركي، فالبلدان التي استطاعت أن تحمي لغاتها المحلية إبان الاستعمار ، لم تتمكن من مقاومة العولمة اللغوية. واستهلت مرة إحدى المجلات الأميركية تحقيقاً حول موت اللغات المحلية بخبر يفيد أن سيدة عجوزاً (94 عاما ) توفيت في مدينة بالا- كاليفورنيا ، وبوفاتها توفيت لغة محلية في الشمال الأميركي هي " لغة كوبينو"، إذ كانت آخر شخص يتحدث بها. وانتهت كوبينو وقبلها انتهت لغات عدة مع موت الجيل المعمر مثل لغة ماتيبو، ولغة أمابا، ولغة سيكيانا.
ودعت اليونسكو إلى استخدام اللغات المهددة بالاندثار لأنها تمثل إرثا حضاريا وإنسانيا . فمن خلال اللغة نتواصل مع العالم ، ونعرف هويتنا ، ونعبر عن تاريخنا وثقافتنا ، ونتعلم ، وندافع عن حقوقنا الإنسانية ، ونشارك في جميع جوانب المجتمع ، على سبيل المثال لا الحصر. ومن خلال اللغة ، يحافظ الناس على تاريخ مجتمعهم وعاداتهم وتقاليدهم والذاكرة وأنماط التفكير الفريدة والمعنى والتعبير. كما أنها تستخدم لبناء مستقبلهم. اللغة محورية في مجالات حماية حقوق الإنسان والحكم الرشيد وبناء السلام والمصالحة والتنمية المستدامة.
"
من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟

من المطرب الذي تنتظر سماع ألبومه في رأس السنة ؟