فى مثل هذا اليوم 19 يوليو 1956 تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية عن العرض الأمريكي لتمويل مشروع السد العالي، عندما قال الرئيس الأمريكي "جون فوستر دالاس" أن بلاده قررت سحب عرضها لأن اقتصاد مصر لن يستطيع تحمل هذا المشروع، زاعما أن الولايات المتحدة تعتقد أن من يبني السد العالي سيكسب كراهية الشعب المصري لأن الأعباء المترتبة عليه ستكون مدمرة وساحقة، وأنه ليس في وسع الشعب المصري أن يتحمل عبء تنفيذ هذا المشروع الضخم.
وردا على انسحاب تمويل السد العالي، قبلت مصر التحدي، وواصل خططها في البناء والنمو والتنمية، فوقعت اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي لإقراضها 400 مليون روبل لتنفيذ المرحلة الأولي من السد، وبدأ العمل في تنفيذ المرحلة الأولي من السد في 9 يناير 1960.
في منتصف مايو 1964 تمكنت مصر من تحويل مياه النهر إلي قناة التحويل والأنفاق، وإقفال مجري النيل، للبدء في تخزين المياه ببحيرة السد، تضمنت المرحلة الثانية في بناء السد الاستمرار في بناء "الجسد" حتى نهايته، وإنهاء محطة الكهرباء وتركيب التوربينات وتشغيلها، وإقامة محطات المحولات وخطوط نقل الكهرباء، لتنطلق شرارة توليد الكهرباء الأولى، التي أنارت بعض القرى المصرية في أكتوبر 1967.
احتضنت بحيرة "ناصر" أولى قطرات المياه القادمة من منابع النيل عام 1968، إيذانا ببدأ تخزين المياه، وفي منتصف يوليو 1970 اكتمل صرح المشروع؛ ليتم افتتاحه رسميا في 15 يناير 1971.
وتعود قصة بناء السد عندما تقدم المهندس "أدريان دانينوس في اكتوبر 1952 بمشروع لبناء سد ضخم عند أسوان لحجز فيضان النيل وتخزين مياهه وتوليد طاقة كهربائية منه، فبدأ عبد الناصر البحث عن مصادر تمويل إنشاء السد، وعرض على البنك الدولي للإنشاء والتعمير تمويل بناء السد، وأصدر البنك تقريرا نشره في يونيو 1955، أكد فيه سلامة المشروع، وبعد عدة زيارات من عبدالمنعم القيسوني وزير المالية والتجارة أجرى خلالها العديد من المفاوضات، التي أسفرت عن بأن يتولى كل من (البنك الدولي، الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا)، تمويل مشروع السد العالي بتكلفة 1.3 مليار دولار.
وأعلنت الولايات المتحدة أن تمويل السد لن يتم دفعة واحدة، ولكن على مراحل ثلاث، الأولى: تقدم الولايات المتحدة مبلغ 56 مليون دولار، وتقدم بريطانيا مبلغ 14 مليون دولار، ثم تُقدم في المرحلة الثانية قروضا بقيمة 200 مليون دولار من البنك الدولي، بالإضافة إلى 130 مليون دولار كقرض من الولايات المتحدة الأمريكية، و80 مليون دولار قرضا من بريطانيا، على أن يتم سداد هذه القروض كأقساط سنوية بفائدة 5% على مدى 40 عاما، وتتحمل مصر في المرحلة الثالثة باقي المبلغ بالعملة المحلية، يضاف في هذه المرحلة منحتان، الأولى من الولايات المتحدة بقيمة 20 مليون جنيه، والثانية من بريطانيا بقيمة 5 ملايين ونصف المليون جنيه.
لم يسر العرض " الأمريكي، الإنجليزي " لتمويل السد بسلاسة، بل قيدته شروط وضعتها الدولتان لتنفيذ الاتفاق، أولها هو تحويل مصر ثُلث دخلها القومي لمدة 10 سنوات لبناء السد العالي، وفرض رقابة على المشروعات الاقتصادية الأخرى وألا تقبل مصر قروضا أخرى أو تعقد اتفاقيات في هذا الشأن إلا بعد موافقة البنك الدولي، وكان آخر الاشتراطات، الاحتفاظ بحق إعادة النظر في سياسة التمويل تجاه المشروع المصري في حالات الضرورة.
وبعد 5 شهور من إعلان الاتفاق وتحديدا في ظهر يوم 19 يوليو 1956، أصدر المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأمريكية "لينكولن وايت"، بيانا أعلن فيه سحب العرض الأمريكي لتمويل مشروع السد العالي.