الإثنين 01 يوليو 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

فصل المقال فيما بين القانون والشريعة من انفصال

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

أهدي هذا الموضوع إلى باحث كبير وأستاذ قدير وفارس في ميدانه، وإنسان يتمتع بنبل من لون فريد وتكامل نفسي نادر المثال..
إلى الأستاذ الدكتور كمال مغيث..
يقول فقيه الزمان الأستاذ (يوسف قرضاوي) إن الشريعة شأن والقانون الذي يتم تشريعه بالمجالس النيابية البشرية شأن آخر، ويرفض بوضوح تشريعات المجالس البشرية؛ لأنها وضعية ولا يرى تشريعًا صالحًا سوى ما جاءت به الشريعة الإسلامية، ويشرح ذلك في كتابه (الشريعة: ص 28، 29/ طبعة مكتبة وهبة) بقوله: “,”إن الاختلافات الأساسية بين الشريعة والقانون هي من عدة وجوه: الوجه الأول أن القانون من صنع البشر أما الشريعة فمن عند الله، وكل من الشريعة والقانون يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه، فالقانون من صنع الشر ويتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعف حيلتهم؛ ومن ثم كان القانون عرضة للتغيير والتبديل أو ما نسميه التطوير... فالقانون ناقص دائمًا، ولا يمكن أن يبلغ حد الكمال ما دام صانعه لا يمكن وصفه بالكمال... أما الشريعة فصانعها هو الله... لا تبديل لكلمات الله... إن الله وضع الشريعة الإسلاميه قانونًا ثابتًا كاملاً لتنظيم الأفراد والجماعات والدول“,”. وهو كلام عليه أكثر من مأخذ وأكثر من ملاحظه.
إن الأستاذ قرضاوي لا شك يعلم أن كلمات الله قد طالها التبديل والنسخ والرفع والمحو والإنساء (ما ننسخ من آيه أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) [106- البقرة]، (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) [101- النحل]، (يمحو الله ما يشاء ويثبت) [39- الرعد]. وهو ما يعني بداية أن القرآن، الذي هو أبو الشريعة ومنبع الدين، قد تغير وتبدل؛ استجابة لمتغيرات الواقع على الأرض زمن الدعوة.
وهو ما يعني أيضًا أن الوحي لم يحاول استكشاف السنوات الـ23 التالية ليضع لها الشريعة الملائمة دفعة واحدة في بداية الدعوة، لتعريف الناس بها جامعة واضحة؛ حتى ينضبط سلوك الصحابة حسب أوامر الشريعة، فقد تتالت الآيات وتواترت منجمة ومفرقة تنسخ بعضها بعضًا وتمحو بعضها بعضًا، وتبدل بعضها بعضًا، وترفع بعضها وتنسى بعضها.
ورغم علم الأستاذ الفقيه، الذي لا نشك في علمه وفقهه، فإنه يقول في ذات الكتاب (ص 28، 34): “,”إن القانون قواعد مؤقتة تضعها الجماعة اليوم ومتخلفة عن الجماعة غدًا.. تستوجب التغيير كلما تغيرت الجماعة، لكن الشريعة قواعدها دائمة لا تقبل التغيير والتبديل“,”. بينما صدق القول هو أن قوانين الشريعه ظلت غير معلومة بوضوح للصحابة وللتابعين بشكل محدد كامل قاطع، بل اتضح أنها لم تكتمل يومًا، بدليل الاستكمال الذي تم في العصر العباسي على يد كوكبة الفقهاء، الذين رتب كل منهم أوراق الشريعة وأحكامها على طريقته، وعلى خلاف مع بقية زملائه الذين عاصروه أو سبقوه، وعلى غير انتظام بين المذاهب؛ مما أدى إلى تباعدها واختلاف الأفهام حولها.
لقد استمر تشكيل الأسس الأولى للشريعة على مدى 23 سنة هي عمر الوحي، ولم تكتمل، وقد بدأ عملية الاستكمال الخلفاء الراشدون بقرارات اتخذها كل منهم حسب تقديره وبضميره الشخصي وبحدود فهمه وحسب ظروفه وظروف الواقع في زمنه؛ فأوقفوا حدودًا، وأضافوا حدودًا، وألغوا فروضًا، وحرموا حلالاً، فأوقف عمر تطبيق حد السرقة عام الرمادة، وألغى فريضة إسلاميه مقررة بالأمر المباشر بالقرآن بإلغائه فريضة “,”المؤلفة قلوبهم“,”، وحرم متعتين كانتا حلالاً هما متعة الحج ومتعة النساء.
ولم يأت القرن الرابع الهجري حتى تحولت أحكام الشريعة التي تعد على أصابع اليد الواحدة إلى ألوف الأحكام، ووصلت إلى ما يزيد على ثنتي عشرة ألف مسألة، فكانت ماكينة تشريع لا تتوقف ولا تكتمل، فأصبحت أكبر قانون عرفه العالم. ورغم ذلك ظلت الشريعة الإسلامية غير مكتملة، واستمر سيل الفتاوى ينهمر على رءوس المسلمين، حتى وصل -بحسابات دار الإفتاء المصرية- إلى ما يزيد عن ألف فتوى يوميًّا زمن غير المأسوف عليه الأستاذ علي جمعة.
وبعد وفاة النبي تسبب عدم اكتمال الشريعة في ذبح الصحابة والتابعين بعضهم بعضًا في مجازر مخزيه لرتبة الإنسانية؛ لأنها لم تحدد تحديدات قاطعة الأخطاء المطلوب تجنبها والعقوبات المطلوب توقيعها؛ فحدثت الفتنة الكبرى وتبعتها الفتن الأكبر. وقد وقعت الأولى الكارثية زمن الخليفه عثمان، الذي أخذ ما شاء من بيت المال ليوزعه على أهله وأقاربه، وزين حريمه وجواريه بالدر والجوهر والذهب المنهوب من البلاد المفتوحة، وكما يفعل اليوم الرئيس محمد مرسي، وزع عثمان المناصب السيادية على أهله وعشيرته من بني أمية؛ لأنه لم يجد نصًّا يحرم ذلك أو يجرمه ويعاقب عليه، ففعله وهو موقن أنه لا يأتي معصيه ولا يرتكب إثمًا، فقتله الصحابة وأبناء الصحابة وهو على سجادته يصلي ببيته ويقرأ القرآن؛ لأنه لم يعطهم مثلما أعطى أهله وليس لأي سبب ديني؛ لأنه لو أدخلنا الدين سببًا، ولو أخذنا بقول أم المؤمنين عائشه “,”اقتلوا نعثلاً فقد كفر“,” لتمت إدانة الخليفة والصحابة معًا.
وكان الأغرب في ذلك الحدث الرهيب أن الذين قتلوا الخليفة لم توقع عليهم أية عقوبة؛ لا لسبب سوى أنهم كانوا صحابة وأبناء صحابة. وظهرت بعدها مسألة تحاول الإجابه على السؤال: هل يعد الخروج على الحاكم (الإمام) حلالاً أم حرامًا، لتنتهي إلى تحريم وتكفير من يخرج على حاكم لم نر منه كفرًا بواحًا. فعبرت الفتنه الكبرى عن وضع الشريعة القاصر وآليات تنفيذها غير المحكمة، واختلافها في تطبيق الحدود حسب الرتبة الاجتماعية بين الصحابة، أو بين الرعية، سيد أو عبد، ذكر أو أنثى، فتفاوتت قرارات الخلفاء الراشدين الأربعة، ولو كانت الشريعة كاملة ما ازدحم التاريخ الإسلامي بصراع الفرق الدموي، وصراع الخلفاء وانقلابهم على بعضهم البعض بحجة الكفر والزيغ عن صحيح الإسلام، واستمر الصراع حتى اليوم دون أن تقدم لنا فرقة واحدة من الفرق ما هو صحيح الإسلام الذي يرضي الجميع لإيقاف عمليات الذبح والجزارة.
يُفترض في التشريع أن يوجد قبل وقوع الحدث ليكون حاكمًا له وعليه، وليكون معلومًا للناس، دون اختلاف أو تناقض، بما يؤدي لتحقيق العدل عند التطبيق بينما التشريع الإسلامي كان يأتي تاليًا لوقوع الحدث، فكان النبي والصحابة على غير معرفة بالشريعة وقوانينها لمجيئها على دفعات تلغي التالية ما قد سلف، وأوامر ونواهٍ تأتي بغتة عند وقوع حدث جديد لتنسخ القديم، ومع طريقة جمع المصحف العثماني، الذي اختلط فيه الناسخ بالمنسوخ دون ضابط أو رابط، وصل التضارب بين أحكام الشريعة إلى حد التضارب التام والكامل، فلا تعلم هل نحارب ونقطع كل بنان أم نجنح للسلم؟ وهل التوراة والإنجيل فيهما هدى ونور وفيهما حكم الله، أم هي كتب مُحرفه كفر أهلها فوجب قتالهم؟!
كانت صورة المستقبل في الفترة المكية غير واضحة؛ فمارس النبي الفعل ورد الفعل حسب متغيرات الواقع، فيأتي التشريع بعد وقوع الحدث، ويقوم المسلم أولاً بالفعل، ثم يذهب ليسأل النبي عن حرامه من حلاله، ليقوم النبي بدوره باستخبار جبريل عن القانون الجديد، واستمر هذا الوضع طوال عهد الدعوة وما بعده وحتى اليوم؛ لذلك لا ترى المسلم يضع خططًا مستقبلية؛ فعلم المستقبل عند الله، ولا يعرف النظريات الشاملة كما كان موجودًا من قرون عند المصريين والرافديين، أو كما كان عند أرسطو أفلاطون وسولون وغيرهم. وهو الأمر الذي ظل مؤرقًا للمسلمين حتى اليوم، فيقوم المسلم بالفعل أولاً، ثم يذهب بعده إلى الفقيه ليسأله فيفتي دون أن يكون جبريل مُتاحًا لكل مُفتٍ؛ ومن ثم لم يحمل المسلمون أي نظرية مستقبلية سوى فتح بلاد العالم.
كان الصحابة لا يعرفون ما هو المطلوب منهم غدًا، وهل سيكون حسب شرائع الأمس أم حدثت تغييرات؟ الخمر يوم حلال ويوم حرام، والمتعة يوم حلال ويوم حرام، وحتى اليوم لدى المسلمين سيل تشريعي لا يتوقف، فكان القرآن مُشرعًا أول، ثم أبو بكر مُشرعًا ثانيًا، ثم عمر مُشرعًا ثالثًا، ثم عثمان مُشرعًا رابعًا، ثم عليّ مُشرعًا خامسًا، بل إن قواد الجيوش كانوا يشرعون حسب الموقف، وحسبما يرى عقلهم، كما كان يفعل خالد بن الوليد إبان فتوحه البلدان. كان كل مسئول مشروعًا قانونيًّا مستقلاًّ يختلف عن سابقه وعن لاحقه، وهو ما يضع المُنظر الإخواني فقيه الزمان (الأستاذ قرضاوي) موضع الكذوب الأشر فيما قال عن كمال الشريعة مقارنة بقوانين المجالس النيابية القاصرة والناقصة لتغيرها وتطورها.
الغريب أن يقول قرضاوي قوله القاطع: “,”ليس هناك فعل لمكلف يمكن القول إنه خارج دائرة الشريعة، فأي عمل يعمله المكلف لا بد أن الشريعه تقول لك هذا حرام وهذا حلال، وهذا فرض أو مستحب أو مكروه.. عندنا فقه اسمه السياسة الشرعية، وفقه العبادات، وفقه الأسرة، وفقه الجرائم والعقوبات، وفقه المواريث، والفقه الدستوري، وفقه العلاقات الدولية، وفقه الجهاد والسلم والحرب (حلقتان بعنوان الدين والسياسة على قناة الجزيرة). وهو نفسه من يقول في كتابه (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده/ ص 167): “,”وآيات الأحكام التشريعية لا تبلغ عشر آيات في القرآن“,”.
ولو سألنا عن سبب هذا الاتساع الهائل في شريعة جاءت في عشر آيات إلى مئات ألوف الأحكام؟ يجيبنا قائلاً: “,”هناك قطعيات في الشريعة والنظم وقطعيات في الأخلاق والآداب، وما عدا القطعيات من أحكام وأنظمة فإنه لم يترك لعبث الأهواء: بل هناك أصول وقواعد أئمة الإسلام في أصول الفقه وأصول الحديث وأصول التفسير“,” (نفس المصدر).
وهكذا نجد الشريعة لا تزيد عن خمسة أحكام وردت في عشر آيات بينها متكررات، ثم تم الإضافة إليها مئات ألوف الأحكام وضعها أئمة الإسلام، وهم بدورهم لم يكونوا على اتصال بجبريل، فتكون الشريعة والحال كذلك وضعية بشرية. ويكون القانون البشري هو الأكمل والأقدر على حل مشاكل الناس والمُعبر عن الصالح العام للمجتمع؛ لأن المجتمع هو من وضعه لنفسه عن رضا واقتناع عبر نوابه في تصويت شارك فيه الجميع.