ما زلنا نواصل البحث في انتماء جماعة الإخوان من الناحية الاعتقادية، وقد توصلنا في الحلقة السابقة إلى أن حسن البنا مؤسس الجماعة حينما أراد أن يثبت أن الجماعة تسير في ظلال العقيدة الإسلامية، اختار منهج المتكلمين، وصار يتأرجح فيه بين عقيدة المعتزلة والأشاعرة.
ورأينا كيف كان البنا كغيره من المتكلمين، يرى أن معرفة الله لا تتم إلا بالمعرفة الفطرية الضرورية، وأنها لا تكون إلا بالاكتساب العقلي، ورتبوا على ذلك إيجاب النظر والاستدلال على وجود الله عن طريق العقل لا عن طريق الوحي، ورددنا على هذه الناحية ووضعناها في ميزان الشريعة بأدلة واضحة لا لبس فيها من الكتاب والسنة.
ونتابع في هذه الحلقة كيف أوقعهم ذلك في خطأ آخر، خلال محاولتهم إثبات هذا النوع من التوحيد، وهو توحيد الربوبية بطريق لا يعقل أن يتوصل إليه العقل، دون أن يسير في نور الرسالة، والحقيقة أن توحيد الربوبية لم ينازع أحد من البشر في معرفته عن طريق الفطرة، سواء من المشركين أو أهل الكتاب أو غيرهم، فلم ينكر أحد أن هناك ربًا خالقا لهذا الكون، ومدبرًا لشئونه، إلا فئة قليلة من الملاحدة الذين لا يثبتون أمام الواقع، ولم نر يوما شخصا ادعي أنه خالق هذا الكون مهما كان انحرافه أو زيغه، إلا أن المتكلمين والفلاسفة ومن سار علي نهجهم كجماعة الإخوان عمدوا إلي أن يدوروا في حلقة مفرغة لإثبات ما هو ثابت أصلا في هذا الباب، فعنتوا وأعنتوا غيرهم، وصدق قول القائل: "إن توضيح الواضحات من أعضل المعضلات" .
يقول ابو منصور الماتريدي: "والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع.." (انظر: التوحيد للماتريدي)
ولا شك أن الحواس الخمسة للإنسان من وسائل المعرفة التي خلقها الله للإنسان، إلا أن لها عتبات قصوى وعتبات دنيا، أثبت العلم أنها لا تستطيع أن تعمل إلا في حدودها، فإذا زادت أو قلت عن ذلك تقف عاجزة أمام الإدراك، وهو ما يجعل الإنسان يلجأ إلى وسائل أخرى لإدراك ما لا يمكن لحواسه أن تدركه، كالموجات فوق الصوتية وغيرها، ومن باب أولى لمن أتاه الله العقل وأنعم عليه بالبصيرة أن يعترف بعجز هذه الحواس عن إدراك الغيب، ومنه صفات الله عز وجل، ويترك ذلك لخالق الكون ويسلم لرسالات الله لنبيه صلي الله عليه وسلم تصديقا لخبر الله، وتنفيذا لأمره دون أن يقحم نفسه فيما لا يزده إلا حيرة وجدلا وتيها، إلا أن هناك من يصر علي التضييق علي نفسه فيما وسعه الله عليه من المتكلمين وفلاسفة المسلمين، كما رأينا في قول الماتريدي بأن الطريق الموصلة إلى معرفة الله تكون عن طريق الحواس القاصرة عن إدراك مخلوقات الله، فكيف بها تدرك ذات الخالق؟
ويمكنك أن تري آثار ذلك في رسالة حسن البنا، حيث يسير بهذه المنهج في إثبات حدوث العالم أولا، ثم اتخاذ ذلك دليلا علي إثبات وجود الله، وهو أمر يدعو للعجب إذ إنه من البديهي أنك تعيش في هذا العالم وتريد أن تثبت اولا وجوده رغم أنك جزء منه، ثم تسعي بعد ذلك لإثبات إنه ليس موجودا من عدم.
وسيرا على هذا المنهج الفلسفي يقول حسن البنا:
"إذا وضعت كتابا على مكتبتك ثم خرجت من الحجرة وعدت إليها بعد قليل فرأيت الكتاب الذي تركته على المكتب موضوعا في الدرج ، فإنك تعتقد تماما أن أحدا لابد أن يكون وضعه في الدرج ، لأنك تعلم من صفات هذا الكتاب أنه لا ينتقل بنفسه .
ويضيف: "احفظ هذه النقطة وانتقل معي إلى نقطة أخرى : لو كان معك في حجرة مكتبك شخص جالس على الكرسي ثم خرجت وعدت إلى الحجرة فرأيته جالسا على البساط مثلا فإنك لا تسأل عن سبب انتقاله ، ولا تعتقد أن أحدا نقله من موضعه ، لأنك تعلم من صفات هذا الشخص انه ينتقل بنفسه ولا يحتاج من ينقله ".
ويؤكد: احفظ هذه النقطة الثانية ثم اسمع ما أقوله لك : لما كانت هذه المخلوقات محدثة ونحن نعلم من طبائعها أنها لا توجد بذاتها، بل لابد لها من موجد ، عرفنا أن موجدها هو الله تبارك وتعالى ولما كان كمال الألوهية يقتضي عدم احتياج إله إلى غيره ، بل إن من صفاته قيامه بنفسه ، عرفنا أن الله تبارك وتعالى موجود بذاته وغير محتاج إلى من يوجده ، وإذا وضعت النقطتين السابقتين إلى جانب هذا الكلام ، اتضح لك هذا المقام ، والعقل البشري أقصر من أن يتورط في أكثر من ذلك ، والله نسأل العصمة من الزلل ، إنه رؤوف رحيم " (انظر: مجموع الرسائل لحسن البنا)
ولا شك ان هذا نفسه هو قول الاشعرية.
يقول احد اعلام الماتريدية وهو ابو المعين النسفي -صاحب التفسير الشهير- في إثبات أن حدوث العالم دليل علي وجود الله:
"وإذا ثبت أيضاً أنه هو المخترع لهذا العالم مع اختلاف أنواعه، وهو الخالق له على ما هو عليه من الإحكام والإتقان وبديع الصفة وعجيب النظم والترتيب وتركيب الأفلاك وما فيها من الكواكب السائرة وما يرى من البدايع في أبدان الحيوانات من الحياة والتميز والاهتداء إلى اجتلاب المنافع (وانتفاء) المضار، وما فيهن من الحواس، وما في الأجسام الجمادية من البدايع والخاصيات التي أودعت فيها على وجه لو تأمل ذو البصيرة الموصوف بدقة الفكرة وحدة الخاطر ورجاحة العقل وكمال الذهن وقوة التمييز جميع عمره فيها، لما وقف على كنهها، بل على جزء من ألف جزء مما فيها من آثار كمال الحكمة ولطف التدبير، ثبت أنه حي قادر عالم سميع بصير... يجري العلم بذلك مجرى الأوائل البديهية، حتى أن العقلاء بأسرهم ينسبون من يضيف نسيج الديباج المنقوشة، وتحصيل التصاوير المونقة، وبناء القصور العالية، واتخاذ السفن الجارية... إلى ميت عاجز جاهل، إما إلى الحماقة والغباوة وإما إلى العناد والمكابرة..." (انظر: تبصرة الأدلة في أصول الدين للنسفي)
إن هذه المحاولات العقلية التي تتبع مناهج الفلاسفة والمناطقة لم تكن سبيل النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته في إثبات وجود الله عز وجل وصفاته، بل كان طريقهم أبسط وأسهل من ذلك بكثير، وهو يدور في فلك تصديق خبر الله عز وجل، وتنفيذ أمره ونهيه مباشرة من كتاب الله وسنة نبيه، دون الدخول في هذه الأحاجي المنطقية، التي ليتها لم تكن.
ثم ينقلنا حسن البنا إلى مسألة أخري، وهي صفات الله تعالي في رسالة العقائد ، ليصدمك من الوهلة الاولي باختياره منهج المتكلمين أيضا حيث يقول:
"وردت في القرآن الكريم آيات وفي السنة المطهرة أحاديث ، توهم بظاهرها مشابهة الحق تبارك وتعالى لخلقه في بعض صفاتهم ، نورد بعضها على سبيل المثال ، ثم نقفّي بذكر ما ورد فيها من الأقوال ، والله نسأل أن يوفقنا إلى بيان وجه الحق في هذه المسألة التي طال فيها جدل الناس ونقاشهم في هذا العصر وأن يجنبنا الزلل ويلهمنا الصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل" . (انظر: مجموع الرسائل لحسن البنا)
ثم يورد البنا نماذج من آيات الصفات هي بنصها ما يمكن أن تجده في مصنفات الأشاعرة والمعتزلة التي ترى أن آيات الأسماء والصفات وأحاديثها من المتشابه، ويؤيد ما ذهب إليه المتكلمون في تأويلها أو تفويض علمها لله عز وجل.
يقول حسن البنا: "ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالاتباع ، حسما لمادة التأويل والتعطيل ، فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان ، وأثلج صدره ببرد اليقين ، فلا تعدل به بديلا ، ونعتقد إلى جانب هذا أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق ، ولا تستدعي هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديما وحديثا ، وصدر الإسلام أوسع من هذا كله .
ويضيف: "قد رأيت للإمام النووي رضي الله عنه ما يفيد قرب مسافة الخلاف بين الرأيين مما لا يدع مجالا للنزاع والجدال ، ولا سيما وقد قيد الخلف أنفسهم في التأويل بجوازه عقلا وشرعا ، بحيث لا يصطدم بأصل من أصول الدين" .
وينقل قول الرازي في كتابه " أساس التقديس " : " ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل ، وإن لم نجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى ، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات ، وبالله التوفيق " . (انظر: مجموع الرسائل لحسن البنا)
يؤكد البنا هنا أنه يسير علي منهج المتكلمين الذي يتأرجح بين المعتزلة والاشاعرة ويستشهد بآرائهم علي ما ذهب إليه في أسماء الله تعالى وصفاته، فهو تارة تراة ينتهج التعطيل وتارة يميل إلى التفويض والتأويل.
وكلا الأمرين تحريف لمراد الله عز وجل في كتابه الكريم، إذ يعمد المعطلون إلى نفي صفات الله عز وجل تحت زعم التنزيه، فيجعلونه عدما لا صفة له زاعمين أنهم بذلك ينزهون الله تبارك وتعالى عن مشابهة المخلوقين ولهذا يقول العلماء : "إن المعطل يعبد عدما والمشبه يعبد صنما" (انظر: أصول العقيدة لمحمود عبدالرازق الرضواني)
كما أن كلا الأمرين قد اجتمعا فيمن حاول الهرب من الطرفين وادعي لنفسه الوسطية عن طريق التفويض والتأويل دون أن يدري انه وقع فيما وقع فيه الطرفان، لأنه عندما فوض أو لجأ إلى تأويل نصوص الشرع في باب أسماء الله وصفاته ، فقد ابتدأ من حيث انتهى الفريقان، وهو طريق غير مأمون يقول عنه العلماء : "ان التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل" (انظر: المرجع السابق) وهو مذهب الأشاعرة الذي اعتمده حسن البنا في رسالة العقائد.
وقبل أن ندخل في نقطة أخرى من أوجه التشابه بين عقيدة الإخوان والأشاعرة ، وحديثهم عن النبوات، وهي نقطة شديدة الخطورة والأهمية، خاصة إذا علمنا أن المنهج الأشعري هو المعتمد في الأزهر الشريف- جعله الله منارة للعلم والعلماء في الدنيا كلها- ينبغي التنبيه إلى نقطتين وهما:
أولا: إن الأمانة العلمية وحدها هي دافعنا لعمل هذه المقارنة، لا نبتغي تقويض الأزهر أو إحراج علمائه الأجلاء من أساتذتنا وشيوخنا حفظهم الله علي طاعته ، بقدر ما نسعي فقط إلى التنبيه إلى أن تبني هذا المنهج خاصة في باب التأويل والتفويض قد أدى إلي المبالغة في تحريف نصوص الشرع بصفة عامة عن مراد الله عز وجل، وجعل الكثيرين يفسرون كلام الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على أهوائهم وكما يحلو لهم، كما أدى إلى زيادة موجة الإلحاد بقدر ظهور أصحاب الفكر المتطرف، كما رأينا في جماعة الإخوان، وما تفرع عنها من جماعات بعد ذلك، ولا نقول إن الأزهر الشريف هو الذي اخترع هذا، بل إن هذا المنهج الكلامي الفلسفي موجود في الأمة الإسلامية منذ قرون. وكل ما نريده هنا هو تطهير الأزهر من هذا الفكر وإعادة الشيء لأصله، لكي يستريح برٌ ويُستراح من فاجر.
ثانيا: أدى هذا المنهج الي وجود ميوعة في ردود علماء الازهر علي من يهاجمونه بتبني الإرهاب وان مناهجه تحمل في طياتها بذور التطرف والتكفير، وهو ما كنا نأمل موقفا قويا من شيوخنا الأجلاء ضد هذه الحملة التي تريد هدم الازهر وإغلاقه إلا أنهم وللأسف الشديد كانوا علي غير المأمول، وبدلا من الثبات في مواجهة هذه الحملة بالتمسك بحبل الله المتين، ورد الشبهات، ودفع أباطيل المبطلين، وسفاهات الغالين، استجابوا في كثير من الأحوال إلى مطالبهم، بحذف الكثير من أبواب الفقه التي تدرس في معاهده وكلياته منذ مئات السنين، وكأنهم اكتشفوا فقط اليوم أن هذه الابواب تغذي الفكر المتطرف والارهاب، الذي لم تعرفه الأمة الاسلامية إلا من خارجها وبأيدي أعدائها في القرن الفائت.