البوابة نيوز
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

نظرة إلى داخل إسرائيل (1)


كانت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة –كما اعتدنا- مناسبة تقليدية للكتاب العرب المهتمين بالصراع لطرح عدد من القضايا التي أصبحت أقرب إلى الطقوس المتكررة‏.
بعضنا يحاول التنبؤ بنتائج الانتخابات‏‏ واستنباط ما سوف يترتب على تلك النتائج‏، والبعض الآخر يعرض الأرقام والإحصاءات التي خلصت إليها استطلاعات الرأى العام في إسرائيل ويمضي في تحليلها واستقراء دلالاتها‏،‏ وبعضنا يمضي إلى تقديم النصائح إلى العرب الذين لهم حق التصويت في الانتخابات الإسرائيلية والذين يزيد تعدادهم عن سدس من يحملون الجنسية الإسرائيلية‏.‏ وتنتهى الانتخابات وينفض السامر ويعود الجميع في انتظار الانتخابات المقبلة‏.‏
وللتعرف على دور أولئك الفلسطينيين الذين لهم حق الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الإسرائيلية‏‏ أهمية تتمثل في تبين إمكان التأثير في مجريات تلك الانتخابات‏‏ أي التأثير فيما يجرى داخل إسرائيل‏، باعتبارهم القطاع الوحيد من الشعب الفلسطيني‏‏ ومن ثم من الشعوب العربية، الذي يملك فعليا حق التأثير في نتائج تلك الانتخابات‏‏ وبالتالى التأثير في مجمل الموقف الإسرائيلي‏ بما يصب في النهاية في مجرى النضال الفلسطينى العربى.
ومن اللافت للنظر أن تأثير الصوت العربى في نتائج الانتخابات الإسرائيلية منذ قيام إسرائيل يقل كثيرا عن نسبة تمثيلهم العددي‏،‏ وقد يبدو للوهلة الأولى أن الأمر إنما يرجع فحسب إلى تفتت الأصوات العربية بين أحزاب شتي‏، ومن ثم تتردد خلال كل انتخابات إسرائيلية الدعوات المخلصة لضرورة توحيد الصوت العربي‏.
ولكن لماذا نهتم أصلا بالانتخابات الإسرائيلية؟ هل يعنينا حقا ما يجرى في إسرائيل؟ ‏هل فوز ذلك الحزب أو ذاك من الأحزاب الإسرائيلية يعنى شيئا ما بالنسبة للنضال الوطنى الفلسطينى العربي؟ ‏هل تعد الفروق بين حزبى العمل والليكود فروقا ذات دلالة بالنسبة لذلك النضال؟ الإجابة على مثل هذه التساؤلات ضرورية بلا شك‏‏ ولكن التوصل إليها محفوف بالعديد من المزالق الفكرية والسياسية‏.‏ فالأمر يتوقف على رؤية طبيعة الصراع‏.‏
إذا كان هدف النضال يتمثل في تحرير الضفة والقطاع وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس إلى جانب دولة إسرائيل‏‏ وهو الهدف الذي تبنته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، فضلا عن مجمل القيادات الرسمية العربية‏.‏ ففى هذه الحالة يجوز الحديث والاهتمام بتلك الفوارق الدقيقة بين التيارات الإسرائيلية‏،‏ ويجوز‏-بل يجب-التعامل مع ما يعرف بمعسكر السلام الإسرائيلي‏؛‏ فالهدف هو إيجاد وتدعيم تيار سلام داخل إسرائيل يقبل بهذا الهدف‏؛‏ وفى هذا الإطار يمكن الحديث عن دور فعال لأولئك الفلسطينيين الذين يحملون البطاقات الانتخابية الإسرائيلية في محاولة التأثير على مجريات الأمور في إسرائيل‏.‏
أما إذا كان هدف النضال هو تحرير كامل التراب الوطنى الفلسطيني‏ دون حتى تجزئته إلى مراحل،‏ وهو الهدف الذي يتبناه بشكل أو بآخر العديد من التيارات العربية‏‏ بل والفلسطينية‏‏ خارج وداخل إسرائيل‏.‏
ففى هذه الحالة يتراجع الاهتمام بتفاصيل التمايزات داخل إسرائيل ليصبح أقل أهمية‏، فالمواجهة في هذه الحالة مع الكيان الإسرائيلى ككل‏، وطالما أن كل يهود إسرائيل بمختلف اتجاهاتهم وأصولهم يتفقون كحد أدنى على بقاء دولة إسرائيل‏؛‏ فصراعنا مع الكيان الإسرائيلى ككل بهدف اجتثاث جذوره من المنطقة العربية‏.‏ وعلى أي حال‏‏ فإن هذا التصور ليس بغريب علينا‏‏ فقد كان بمثابة التوجه العربى العام حتى حرب أكتوبر ١٩٧٣‏ واتخذ الأمر مسارا جديدا بتوقيع اتفاقيات السلام المصرية‏‏ وما تلاها من اتفاقيات ومبادرات‏.‏
أما إذا كان النضال نضالا جهاديا إسلاميا شاملا ضد قوى الكفر والشر؟‏‏ وما فلسطين في هذه الحالة إلا واحدة من جبهات تلك المواجهة‏.‏ عندئذ فلا بأس من تبريد الجبهة الفلسطينية‏‏ وإشعال الجبهة الأفغانية‏‏ أو العراقية‏‏ أو الشيشانية مثلا إذا ما اقتضت ظروف المواجهة ذلك‏.‏ بل لا بأس من تسخين المواجهات الداخلية للتصدى للنظم العربية الرجعية الممالئة لفسطاط الشر والإمبريالية‏‏ وتبريد ميادين المواجهة في الدول الغربية الأوربية التي تسمح بإيواء المناضلين‏.‏
وفى هذا السياق وحده يمكن تصور أن عودة احتلال إسرائيل للضفة والقطاع،‏‏ بل وحتى سيناء، لا تعنى انتصارا للعدو‏‏ بل لعلها قد تعنى العكس تماما باعتبارها توسيعا لنطاق الاشتباك مع العدو‏.‏