البوابة نيوز : الإعلام.. ومكافحة «العفن الهبابى» (طباعة)
الإعلام.. ومكافحة «العفن الهبابى»
آخر تحديث: الإثنين 28/09/2020 01:42 ص
محمود صبرة محمود صبرة
وسط آلاف الفيديوهات التي تمر علينا يوميا عبر فضاء الـ "سوشيال ميديا" استوقفني فيديو يحمل عنوان "بيان عملي لوكيل وزارة الزراعة بـ... لطريقة الرش السليمة لمكافحة العفن الهبابي لأشجار المانجو". (نحتفظ باسم المحافظة)
أعادني الفيديو إلى عشرين عاما مضت، عندما كنت مزارعا أحمل فوق ظهري الرشاشة لمكافحة الآفات في محصول العنب بالطريقة العشوائية التي اعتدنا عليها.
يومها أصبت بحالة إعياء شديدة واغماء دخلت على اثره المستشفي، واستفقت بعد عدة أيام وجدت على رأسي اثنان يرتديان الملابس البيضاء.
ظننت وقتها من وراء سحابة كثيفة على عيني، أنهما ملائكة الحساب إلا أنني سمعت من حولي أصواتا عادية لحركة الشارع وأحدهما جاء صوته من بعيد يسألني "إيه اللي حصلك؟".
كانا الإثنان طبيبة تتابع حالتي وأمين شرطة يستكمل استجوابي في محضر تم تحريره بواقعة إصابتي بالتسمم.
ولأنني مزارع قديم قمت بكافة أعمال المكافحة ورش المبيدات الكيماوية، وتعلمت بعد تجربة تسمم كادت تودي بحياتي، الطرق الصحيحة لمكافحة الدودة والنيماتودا والتفحم والبياض الزغبي، وغيرها من الآفات، عاد بي الحنين إلى سنوات الشباب الأولي واستهواني مشاهدة الفيديو.
وقف وكيل الوزارة ممسكا بالخرطوم يرش شجرة مانجو تحت "حمام" من المبيدات السائلة دون أدني اكتراث بالإجراءات الوقائية ودونما مراعاة لأي من عوامل الأمان الصحي والبيئي المتعارف عليها أثناء رش الكيماويات، التي توصي بها وزارة الزراعة، والمدونة على كافة عبوات المبيدات للوقاية من التسمم.
وكيل الوزارة الذي وقف إلى جانبه أحد المزارعين ومن خلفه بعض المتفرجين، بينما تصيح إحدي السيدات "حاسب غرقتنا"، لم يرتدي أي ملابس واقية من خطر التعرض للمبيدات السامة، ما يعني ان "البيان العملي" ما هو الا كارثة محققة.
تجاهل الفيديو المنشور على أحد المواقع المعنية بالزراعة، كل توصيات وعوامل الأمان، وأعطي مثالا سيئا لا ينبغي ان يتم تعميمه على المزارعين الذين يعانون أمراضا فتاكة بفعل العشوائية والاستخدام غير الرشيد للمبيدات الزراعية، فضلا عن المغشوشة منها والراكدة ومنتهية الصلاحية، الأشد سمية.
وكيل الوزارة الذي هو ليس أقل من مهندس زراعي، وصار خبيرا بحكم منصبه، كان ينبغي أن يكون قدوة في اتباع إرشادات الصحة العامة ووزارة الزراعة باتخاذ الاحتياطات الكاملة الخاصة بالأمان والسلامة في التعامل مع هذه المواد شديدة الخطورة.
فمن البديهي أن يعي وكيل الوزارة أهمية ودور ملابس الوقاية وادوات الحماية في الحد من التعرض للمبيدات، لكنه لم يرتدي "أفرولا " أوغطاءا للرأس، أو قناعا بلاستيكيا ولاحتي كمامة أو قفازا في اليد.
وكيل الوزارة - بقصد أو بدون قصد - وبيانه العملي الذي بذل فيه جهدا مع المزارعين، ضرب بكافة البرامج الوقائية وما تنتجه وزارته من كتيبات ونشرات إرشادية عرض الحائط، وليس ذلك وحسب وإنما أهدر عشرات الملايين من الجنيهات التي تنفق سنويا على هذه البرامج وتلك الإرشادات.
لكن يبدو أن المسئول الكبير يعيش الواقع ويعرف أكثر من غيره أن هذه البرامج وتلك التوصيات والإرشادات لا تبرح مكاتب الموظفين بالإدارات والجمعيات الزراعية، وبالتالي لم يعد هناك داعي للالتزام بها ولو شكليا أمام المستهدفين بالفيديو من المزارعين حتى وإن تم بثه على مواقع التواصل الاجتماعي، كـ"بيان عملي"، يمكن ان يشاهده العالم أجمع.
فيديو وكيل وزارة الزراعة الذي ارتكب فيه جريمة متكاملة الأركان، ورغم إعادة نشره ببعض المونتاج والموسيقي التصويرية التي تغطي على أصوات من حوله، يلخص أزمة الإعلام في مصر، لاسيما الإعلام الزراعي الذي ينفق الملايين على إدارة مواقع وقناة تليفزيونية لا تريد أن تعترف أنها موجهة للفلاحين، بالإرشاد والتوعية، وتعالت على تقديم الطرق السليمة لمكافحة "العفن" فصارت "هبابا" إعلاميا لا يشاهده أحد.