البوابة نيوز : الأنبا بطرس فهيم يكتب: قداسة اللحظة الحاضرة (طباعة)
الأنبا بطرس فهيم يكتب: قداسة اللحظة الحاضرة
آخر تحديث: الأربعاء 27/05/2020 12:16 م الانبا بطرس فهيم
الأنبا بطرس فهيم
الأنبا بطرس فهيم
الله أعطانا الزمن، وهو هبة من الله لنعيش فيه، أعطانا حياة عشناها في الماضي، وأعطانا الحاضر، هنا والآن، لنعيشه معه، ويجب أن نقضيه في القداسة، والمستقبل هو في يديه، ولا نعلم عنه شيء.
الله عمل معنا في الماضي لكي يعطينا ذاكرة يملأها الله بعمله من أجلنا. فكم من المخاطر عبر بنا منها؟ وكم من المخاطر جعلنا نتفادها وحفظنا فيها؟ وكم من المشاكل لم تستطع أن تقضي علينا؟ وكم من حماية ومحبة وخلاص قدم لنا في الماضي؟ كم مرة كان حاضرا في حياتنا؟ كم هي عديدة العلامات لحضوره ولعمله في حياتنا الماضية؟
الحاضر هو الوقت والفرصة الوحيدة التي بين أيدينا لكي نعيش ونتبارك ونصير قديسين ونصير بشرا إنسانيين حقيقيين، ولكي نعمل الخير ونسامح ونبني شيء ما لنا وللناس، ولكي نتوب ولكي نبدأ من جديد.
عمل الشرير هو أن يسجنا في الماضي، فلا نفكر إلا فيه ولا نهتم إلا به ونعيش نجتر ماضينا، دون أن ننتبه للحاضر ولا للمستقبل؟ فيفسد علينا الحاضر والمستقبل وبالتالي الحياة كلها. أو أن يجعلنا نهرب في مستقبل ليس في أيدينا ولا نعلم عنه شيء ولا ندري إن كنا سنعيشه أساسا.
الله يدعونا أن نحيا حقيقة الحياة في الحاضر، أن نتعلم من الماضي، وأن نحيا الآن، ونثق في الله بالنسبة للمستقبل. الله يطلب منا أن نعيش اليوم ما يجب أن نعيش: من توبة، وعمل، ورسالة، ومغفرة، وبناء، وإنتاج، وإيمان ومحبة ورجاء للمستقبل. إن عملنا ما يريده الله منا، الآن وهنا، وصببنا كل اهتمامنا على اللحظة الحاضرة، وقمنا بعمل تمييز روحي حقيقي على ما يجب أن نعمله في كل لحظة من حياتنا وعملناه وحققناه فعلا. وقت الصلاة نصلي، ووقت العمل نعمل. وقت الراحة نرتاح، ووقت اللعب والتسلية نلعب ونتسلى. وقت التواجد مع الآخرين نتواجد معهم، ووقت الخلوة نكون في خلوة. وقت الكلام نتكلم، ووقت الصمت نصمت. وقت البكاء نبكي، ووقت الضحك نضحك. وقت الزرع نزرع ووقت الحصاد نحصد ... الخ (راجع سفر الجامعة 3 : 1 – 15). وهكذا نعيش ما يريده الله منا في كل لحظة نكون بالفعل نحقق إرادة الله في كل لحظة وهذا هو سر القداسة والسعادة والفرح.
هذه هي الحياة التي يريدها منا الله، هذه هي حياة القديسين. نحيا ذلك بفرح وقناعة وحب، واجدين كل المعني وكل القيمة فيما نعيش وفيما نعمل مهما كان بسيطا، المهم أن يكون ما هو مطلوب منا فعلا، وما يريدنا الله أن نعمله فعلا. الخطر هو في أن نضيع وقتنا طوال الوقت في عمل أشياء غير مطلوبة منا، ولا يجب أن نعملها نحن، نقضي كل الوقت أن نعمل عمل الآخرين ولا نعمل عملنا الخاص. أو أن نعمل ما لا يجب عمله الآن، فقد كان يجب أن نعمله بالأمس، أو يجب أن نعمله غدا. أما عمل اليوم فلا نفكر بأن ننجزه أبداً، بل نؤجله ونتهرب منه؛ هذه هي طريق اللامعنى والضياع، ودمار الوقت؛ وبالتالي الملل والسأم، عدم تذوق ما نعيش وما نعمل، وبالتالي نرفض كل شيء، ونتمرد على كل شيء، ونفقد الراحة الباطنية والفرح، ومعه نفقد الحياة وقيمتها ومعناها وطعمها.
القداسة الحقيقية هي قداسة اللحظة الحاضرة، وليس قداسة الأمس أو قداسة الغد. القداسة هي قداستي أنا وليست قداسة الآخرين. القداسة ليست في مكان آخر، بل هنا ومع الناس الذين يدعوني الله أن أعيش معهم اليوم، القداسة هي الآن وليس بالأمس ولا في الغد، "فملكوت الله هو بينكم" وليس في عالم آخر ومع ناس آخرين.
لذلك نجد أن وصايا السيد المسيح كلها موجهة لنا لكي نعملها ونعيشها في الحاضر. إن أوصانا بالصلاة فهو يريدنا أن نصلي الآن، وإن أوصانا بالمحبة يوصينا بها الآن، وإن أوصانا بعمل الخير فهو يطلبه منا الآن، وإن طلب منا التوبة يريدها الآن ... وهكذا كل ما يوصي به ويطلب منا يريده الآن لأنه يريدنا أن نقدس اللحظة الحاضرة ونتقدس الآن ونقدس من يعيشون معنا هنا والآن. أن نقدس الذات والزمان والمكان والآخرين والطبيعة، وذلك بحضوره هو معنا في كل مكان وزمان عمله فينا بروحه وبكلمته وبنعمته. على مثال ما عاشت أمنا مريم العذراء التي قدست حياتها باستقبالها لله، وقولها له نعم دائما في كل وقت وفي كل مكان، وعمل إرادته حتى ولو لم تفهم كل شيء في وقته، ولكنها كانت تحفظ كل شيء وتتأمل به في قلبها، الذي صار هيكلا وعرشا لله يسكن فيه ويقدسه ويوجهه في كل قول وعمل وتصرف، في كل وقت.
ليس لدى الله زمن، فهو خارج الزمن وفوق الزمن. هو كائن في الحاضر الأبدي لأنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. فهو يرى كل شيء في حاضره الأبدي ويريدنا أن نعيش نحن أبناؤه في حاضرنا الزمني في انتظار أن نشاركه حاضره الأبدي، حين نخرج من هذا الزمن الحاضر.