البوابة نيوز : السينما.. وقضايا المرأة (طباعة)
السينما.. وقضايا المرأة
آخر تحديث: الثلاثاء 01/08/2017 10:23 ص
د. حسين علي د. حسين علي
الأعمال الفنية والأدبية تُشَكل وجدان الناس.. خير مثال على ذلك مشهد الفنان الراحل أحمد زكى وهو يقوم فى أحد الأفلام السينمائية بدور المحامى الذى يترافع دفاعًا عن المتهمين باغتصاب فتاة المعادي، وكان ممسكًا بيده محبرة، وقدم إلى القاضى قلم حبر، وطلب المحامى من القاضى أن يمسك بالقلم ويحاول إدخاله من فتحة المحبرة كى يغمسه بالحبر الذى داخل المحبرة، ووسط حيرة ودهشة القاضى والجمهور معًا، وأمام رجاء المحامى وإلحاحه، استجاب القاضى على مضض، وأمسك بالقلم، وكلما هـمّ القاضى بإدخال القلم من فتحة المحبرة حرك المحامى (أحمد زكي) يده الممسكة بالمحبرة يمينًا أو يسارًا حتى تبتعد المحبرة عن القلم وتتلافى دخوله من فتحتها، وعلى هذا النحو فشلت محاولات القاضى فى إدخال القلم إلى المحبرة، وتكررت هذه المحاولات الفاشلة من جانب القاضي. وعندما أوشك القاضى على الغضب، وظن أن المحامى يعبث به، حينئذ توقف المحامى (أحمد زكي) عن المراوغة.. وتوقفت يده الممسكة بالمحبرة عن الحركة.. فتمكن القاضى من إيلاج قلمه داخل المحبرة وغمسه بالحبر. هنا أفصح المحامى عن مغزى هذه العملية، وهو أن عملية اغتصاب أى أنثى لا تنجح، مهما حاول المغتصب، إلا فى حالة استسلام الأنثى للمغتصب!! هلل الجمهور فى قاعة المحكمة، وأظن أن الجمهور هلل أيضًا حين شاهد تلك اللقطة داخل قاعات عرض الفيلم، لدفاع المحامى وبراعته، ومن ثمًّ حكم القاضى ببراءة المتهمين بالاغتصاب!
وهكذا تحولت الفتاة، التى اتهمت هؤلاء الشبان بأنهم قاموا باغتصابها، من ضحية إلى مذنبة بوصفها قَـبِلَت واستسلمت!! هكذا صارت الضحية مجرمة، تحولت الفتاة من ضحية جريمة اغتصاب، إلى متهمة بارتكاب جريمة «الزنا»! وهكذا أيضًا تؤثر الأعمال الفنية فى وجدان الناس، وتقلب –أحيانًا- الحق باطلًا، والباطل حقًا! دون فحص أو تدقيق. ما غاب عن المشهد السينمائى للفنان المبدع أحمد زكى هو أن المحامى حين كان يحرك المحبرة يمينًا أو يسارًا كما يحلو له، لم يكن واقعًا تحت أى ضغوط أو تهديدات، لذا فشل القاضى فى إدخال القلم، نقصد أن المحامى أغفل الضغوط والتهديدات التى قد تتعرض لها الفتاة المغتصبة من تشويه وجهها بمواد حارقة إلى طعنها بأداة حادة بخلاف الضرب والتعذيب، فى حالة ما إذا واصلت المقاومة ولم تستسلم! أغفل الفيلم هذا الجانب من القضية، فظلم الضحية وجنى عليها، وحشد الرأى العام ضدها!
هذا فضلًا عن أن عادات وتقاليد كل مجتمع تحكم تصرفات أفراده، وترسّخ صورا ذهنية معينة عن العلاقات الاجتماعية داخل عقول الناس ووجدانهم، وعاداتنا وتقاليدنا الشرقية تظلم المرأة ولا تنصفها.
من هذه التصرفات والسلوكيات السائدة فى مجتمعنا الشرقي، أننا لا ننظر نظرة منصفة إلى المرأة التى تتقدم بالإبلاغ عن التحرش الجنسى بها، فى حين ننظر إلى المرأة التى تتقدم للإبلاغ عن سرقة سيارتها نظرة إكبار، لأنها تحافظ على حقها وتطالب به. وفى أغلب الأحيان يشجعها معظم الناس على التقدم للإبلاغ عن سرقة السيارة، وقد يساعدونها فى ذلك ويدعمونها.
فى حين أن هؤلاء الناس أنفسهم لا ينظرون النظرة نفسها إلى من تتقدم إلى السلطات المسئولة للإبلاغ عن التحرش بها، بل يستهجنون هذا الفعل منها.. وينظرون إليها بعين الريبة.. إنهم ينظرون إليها -فى تلك الحالة- بوصفها امرأة لا حياء لها، وقد يصل بهم الحال إلى وصفها بأنها امرأة مستهترة، ولا يشجعها أحد على الإبلاغ عن جريمة التحرش.. بل يحذرونها من القيام بذلك، فى حين أنهم كانوا يشجعونها على الإبلاغ عن سرقة سيارتها.
وهنا لا بد لنا أن نتساءل:
- هل سيارة المرأة أغلى من جسمها؟!
- هل سيارتها أشرف من جسمها؟!
- هل من واجب الدولة والمجتمع والقانون والسلطات القائمة أن تحمى سيارتها من عبث العابثين، وتترك جسمها لكل عابث يفعل به ما يشاء؟
لا شك أن بعض الذئاب البشرية قد شجعها هذا الجو العام الذى يكتنف حياتنا، فاستمرأ فعل التحرش وهو فى مأمن من الإبلاغ عنه من جانب الضحية!!
بعض معتقداتنا وعاداتنا وتقاليدنا ساهمت وما زالت تساهم فى التستر على سلوكيات خاطئة، تصل إلى حد الجريمة فى كثير من الأحيان!!
تغريدة: بعض معتقداتنا وعاداتنا وتقاليدنا ساهمت وما زالت تساهم فى التستر على سلوكيات خاطئة، تصل إلى حد الجريمة فى كثير من الأحيان، وقد شجعها هذا الجو العام الذى يكتنف حياتنا، فاستمرأ فعل التحرش وهو فى مأمن من الإبلاغ عنه من جانب الضحية.