رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

"The Father".. رحلة داخل عقل أنتوني هوبكنز

السبت 05/ديسمبر/2020 - 10:43 ص
البوابة نيوز
هيثم مفيد
طباعة
في سبتمبر 2012، لم يكن يتوقع المخرج والمؤلف المسرحي الفرنسي فلوريان زيلر، أن تحقق مسرحيته "الأب"، التي عرضت على مسرح "هيبرتو" بباريس، كل هذه الضجة والزخم، بداية من حصولها على جائزة "موليير" أرفع الجوائز المسرحية في فرنسا، ثم ترجمتها للإنجليزية علي يد الكاتب الأوسكاري كريستوفر هامبتون، لتفتح الطريق بعدها أمام القصة لتحويلها لعمل سينمائي نتج عنه فيلمين حتى الأن، كأن أولهما شريط المخرج فيليب لو جواي "Florida" في عام 2015، ومؤخراً فيلم "The Father" من بطولة النجم أنتوني هوبكنز، والذي أفتتح فعاليات النسخة الـ42 لمهرجان القاهرة السينمائي قبل أيام.
لم يكن قراراً سهلاً أمام زيلر لتولي مهمة إخراج الفيلم، ولكن بفضل تعاونه مع كاتب سيناريو بحجم هامبتون بدت الأمور تأخذ منحي مختلف، خاصة وأن المخرج الفرنسي لم يكن يري في هذا الدور سوي ممثل وحيد وهو هوبكنز، الذي سمي بطل فيلمه تيمنا به، وهي كلها عوامل قوة ستمنحه الأفضلية والتفوق الفني في أول ظهور سينمائي له.
يغوص الفيلم داخل أعماق وحش يهز أركان العقل البشري وهو "الخرف" مستكشفا جوانبه المظلمة والقاسية، ولكن المميز في قصة زيلر المستوحاة من ذكرياته مع جدته التي عانت نفس المرض حينما كان في الخامسة عشر، هو أنه لا يتطرق للجوانب المادية لهذا المرض الذي لا يجهل الكثيرون التعامل معه، بل أعطي الجمهور لمحة عن الطريقة التي قد يفكر بها أو يعمل بها عقل الشخص المصاب بالخرف.
نكتشف من تسلسل مشاهد الفيلم الأولي أن ابنة أنتوني هوبكنز (أنتوني) آن (أوليفيا كولمان) ستنتقل إلى باريس، مما يترك المجال مفتوحا حول ما يجب فعله مع والدها المريض. يبدو من هذا المشهد أن أنتوني لديه مشكلة في ذاكرته، وبناءً عليه ستجلب الأبنة شخصا ما ليساعده في مهامه المنزلية بعدما قررت إعطاء الأولوية لحياتها الخاصة بعدما بدأت مواعدة شخص ما جديد وأصبح نمط حياة والدها لا يتناسب معها.
يبدو كل شيء واضحًا حتى هذه اللحظة، ولكن حياة أنتوني الهادئة في شقته اللندنية الواسعة تبدأ في الانهيار التدريجي حينما يقتحم المشهد شخصيات أخري كلهم يدعون أشياء وأدوار مختلفة في كل مرة، حيث تتغير هيئة ابنته آن من شخصية لأخري، تارة يظهر حبيبها الجديد وأخري تقول إنها انفصلت عن زوجها منذ خمس سنوات، حتى قصة انتقالها إلى باريس تبدو مشكوكة في صحتها.
هذا التغير والتبدل المستمر لم يكن علي مستوي الشخصيات فقط بل على مستوي المكان أيضا، فنراه يتحول من شقة إلي غرفة في أحد المستشفيات إلي عيادة خاصة.. وهكذا دواليك. هنا، تتزعزع مصداقية كل شيء، تصبح القصة مشوشة، المشاهد لا تتبع بعضها البعض، بل إنها تناقض نفسها، وفجأة ندرك أن هذا هو العالم من منظور أنتوني، صورة ضبابية ورؤية مشوهة لما تؤول إليه ذاكرته التي تأخذ في الانهيار التدريجي. فأنتوني لا يكافح من أجل استعادة ذاكرته لوضعها الطبيعي فحسب، بل تطارده أيضًا صدماته ومخاوفه وحزنه.
يقدم الفيلم دور الحلم بالنسبة إلى أي ممثل خاصة في الفئات العمرية الكبيرة، فتصميم الشخصية مدفوعا بأداء نجم بجحم هوبكنز، جعلنا ننتقل معه من مراحل الثقة بالنفس والأساس الشديد بالذات في البداية ثم الغضب من الطريقة التي يعامل بها الجميع معه وعجزه عن التعرف على أفراد عائلته الذين يبدون في نظره مجرد غرباء، إلى أن نصل لمرحلة الانهيار العاطفي التي يستسلم فيها الأب لكل ما يدور حوله. وهو ما تم التأكيد عليه في المشهد الأخير للفيلم، حينما قال أنتوني: "أشعر أن أوراقي تتساقط".
"
هل تتحايل قطر على شروط المصالحة ؟

هل تتحايل قطر على شروط المصالحة ؟