الأحد 02 يونيو 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

ثقافة

د. يسري عبدالله يكتب: عبدالرحمن الأبنودي والحضور الممتد

د. يسري عبدالله
د. يسري عبدالله
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

وهج البدايات والتحولات

سبع سنوات مرت على رحيل عبدالرحمن الأبنودي (٢١ أبريل ٢٠١٥) ، كانت تمزج داخلها جدل الحضور والغياب، حيث يبقى الشعر راسخا مثل جبل الكبرياء التليد، فيصبح الغياب الجسدي عنوانا على حضور متجدد في المخيلة العامة للتلقي، في كل سطر شعري تغنت به القصيدة، وخطه الشاعر.


بدءا من ديوانه الأول «الأرض والعيال» في العام 1964 بدا عبدالرحمن الأبنودي صوتا للمقموعين والبسطاء، فاعتبره المصريون غناءهم النبيل،
وشعرهم الفاتن، ومجاز حيواتهم اليومية المثقلة بالهزائم والخيبات، والمعبأة بروائح الأمل والمقاومة والقدرة على النهوض، وكانت «جوابات حراجي القط» تعبيرا جماليا يصاحب المصريين في الحل والترحال، والمشاركة الإبداعية اللافتة للتأريخ للحظة حيوية في عمر الأمة المصرية، وأعني بناء السد العالي، عبر الخطابات «الجوابات» التي كان يرسلها عامل من آحاد الناس إلى زوجته، ومثلما بدت دواوين، مثل: «عماليات» و«الزحمة»، ومن قبل: «جوابات حراجى القط» و«الأرض والعيال» بمنزلة الدفقة الأولى في مسيرة الأبنودي الشعرية، تلك التي اتسمت بقدر هائل من الصدق الفني من جهة، وهيمنة الشفاهية من جهة ثانية، وإن ظلت الشفاهية أداة ناجعة في رؤية العالم لدى الشاعر الراحل، كما رأينا مثلا في ديوانه «أحمد سماعين»، فكان عبدالرحمن يكتب عن أولئك المهمشين، معبرا عن أمانيهم البسيطة، وأحزانهم العادية، منبئا عن عالم يحيا دوما على الحافة، لكنه يأتي فيقربه لنا، ويجعله بطلا، ويمنحه سمتي الخلود والفرادة. وقد تفاوت حضور الشفاهية من مرحلة لأخرى داخل المتن الشعري لنصوص الأبنودي المختلفة، فقد خفت حضورها مثلا في النصوص التي اتسمت بوعي تقني أشد، ورغبة أمضى في دفع قصيدة العامية لأفق أكثر رحابة، كما بدا مثلا في ديوانه اللافت «الفصول»، والذي يمكن لنا بمجرد الوقوف على تقسيمات الديوان ذاته أن نقف على تحول تقني لافت في أعماله، ووعيه الجمالي بأهمية التجديد في نص العامية وخلق مراكمة نوعية لا كمية داخله، ولعلي أشير مثلا إلى قصيدة «الأشياء» والتى بدا فيها معنيا بالتفاصيل الصغيرة، وأنسنة المعنى داخل النص، على نحو أجمله في جملة شعرية بديعة ودالة في آن: «ما أتعس موت الأشياء»، أو في مقطعه التالي الفارق، والحاوي توظيفا دالا لمشهدية بصرية ضافية ورهيفة في الوقت نفسه : «والزمن إن جف/ ولا يصبح للأشياء ضحكة ولا روح ولا كف/ بَرْد الموت يتَّاوب فى الحجرات/ تمشى ف بيتك بين جدران وحاجات/ أموات/ لا الساعة تدق/ ولا تفِر النسمة كتابك/ ولا تتْبَسِّم ع الحيط/ ولا تفضل زعلانة الرسومات/ في شعاع الشمس الداخل م الشبابيك/ تِصْفَرّ وشوش الناس المحبوبة إليك/ اللى معلقهم حواليك / وكإن العالم مرسوم أو مطبوع/ وكإنه مقطوع الشريان / يدبل تحت الشمس الشمع كإنه/ أشياء ثابتة وجدران».

 

تنويعات مختلفة

لم يكن المشروع الشعري لعبدالرحمن الأبنودي إذن كتلة واحدة، بل ثمة تنويعات مختلفة داخله، فالتجربة اللافتة في «وجوه على الشط» والتي ترصد لحظة فارقة من عمر الحياة المصرية، حيث التهجير من مدن القناة عقب نكسة الصيف السابع والستين، ومحاولة استنهاض الهمة المصرية عبر حرب الاستنزاف التي مهدت للعبور التاريخى في عام 1973، ففي «وجوه على الشط» يقدم لنا الشاعر البشر الحقيقيين، الوجوه التى أنهكتها القسوة المفرطة للحياة، لكنها لم تزل تتمسك بروح الوهج المقاوم، هنا سنجد حضورا فاتنا لشخوص مختلفين ومتنوعين: «إبراهيم أبوالعيون، جمالات، محمد عبدالمولي، عيد زعزوع»، وجميعهم شخوص يتجاوزون ذواتهم الفردية ليعبروا عن ذات جماعية مأزومة ومقبلة على الحياة في آن، في لحظة مفصلية من عمر الأمم والشعوب، وهي لحظة الحرب، والتي تصبح بمنزلة اللحظة الكاشفة والمنبئة عن ذلك الجوهر الثري للإنسان بتناقضاته، وتحولاته، ومخزونه الحياتي الوافر من الخبرات والانكسارات والهزائم المجانية، مع حضور مختلف لتلك البهجة العابرة والفرح المدهش، والذكريات التي تستعصى على الموت والنسيان.

 

جدل السياسي والجمالي

بدا ما يعرف بجدل الأيديولوجي والجمالي على نحو بارز في ديوان «الموت على الأسفلت»، والذي أهداه الشاعر إلى الانتفاضة الفلسطينية وللفنان ناجي العلي، وبدت القصيدة هنا عند الأبنودي أكثر حدة وصخبا، متسائلا عن جدوى القصيدة في عالم يسكنه القهر، وتهيمن عليه قوة السلاح، غير أن الأبنودي لم يزل مؤمنا بجدوى الكتابة بوصفها شكلا من شكول المقاومة، ومحاولة للانتصار لكل ما هو إنساني، وحر. إنها تعري القبح الذي تكرس له كل التحالفات القذرة بين الرجعية والاستعمار، كما تفضح الاستبداد وتسائله: «القصيدة توصف الدم الذكي / ما تشيلش نقطة/ توصف الأم اللى ماتت بنتها قدام عينيها/ بس وصف/ وصف جيد….وصف خايب/ وصف صادق….وصف كاذب/ في النهاية….كله وصف/ كل شعر الوصف/ مايساويش في سوق الحق صرخة/ الكلام عن كل ده/ شيء من التطاول/ إنما…..لازم نحاول».


الأغنية

ومثلما ارتحل الأبنودي في شعره محققا تنويعات مختلفة داخل متن قصائده، بدت الأغانى التي كتبها ارتحالا فنيا أيضا بين سياقات متعددة، يمتزج فيها المعنى السياسي بالعاطفي، وتحضر الأغاني الموثقة لفترات مأزومة وفارقة في حياة المصريين على نحو ما رأينا في الأغانى التى كتبها للعندليب عبدالحليم حافظ، من قبيل »أحلف بسماها وبترابها/ عدى النهار«، أو نجد لديه مداعبة للوجدان الشعبي على نحو ما صنع في أغاني المطرب الشعبي محمد رشدي » تحت الشجر يا وهيبة/ عدوية/ عرباوي"، أو يغزل المعنى الرومانسي مصحوبا بصوت شادية الوثاب" آه يا اسمرانى اللون"، أو بوعي صباح الفطري بالأنوثة في" ساعات.. ساعات"، ووصولا إلى صوتي علي الحجار، ومحمد منير، والممثلين لجيلين مختلفين في جدارية الأغنية المصرية، وبما يحملانه من تنوع خلاق، ومميز في الآن نفسه.

وبعد.. كان الأبنودي معنيا بسؤال الوطن بوصفه سؤالا للقصيدة ذاتها، وبدا التعبير عن ناس الوطن تعبيرا جماليا عن جملة من المقولات الكبرى التي آمن بها فتى جنوبي أسمر قادم من أعماق قرانا البعيدة، لينحت اسمه ورسمه في وجدان ناسه وشعبه، مشغولا بكفاح المصريين اليومي، وواعيا بجدل الخاص والعام، وبقدرة الشعر على أن يطرح الأسئلة الكبرى بعد أن ينفذ إلى سيكولوجية المتلقي، هذا المتلقي العام تحديدا، الذي قصده الأبنودي رأسا منذ قرر أن تكون العامية خياره الجمالي وبغيته الأساسية، وأداته المركزية في طرح رؤيته للعالم . وفي كل يبقى عبدالرحمن الأبنودي حالة فريدة في مسار الشعر العامي والغنائي، وترميزا على حالة شعبية وفنية بامتياز..